الإنسان أحادي البعد

single

إنهم كائنات الضرورة مقابل ما يسمى كائنات الحرية، وهم يعيشون تبعًا لما يسمى في علم النفس سايكولوجيا المتسول، الذي لا يفكر بما هو أبعد من الوجبة المقبلة، ولا علاقة له بأية استراتيجية أو توقعات محسوبة، وقد أنتجت ثقافة الاستهلاك هذا النمط الذي أطلق عليه هربرت ماركيوز "الإنسان ذو البعد الواحد"، أي الكائن المفرغ من المحتوى والجوهر، والذي تتحكم في استجاباته للمؤثرات الخلايا الزواحفية. وقد سقطت إمبراطوريات، منها الإمبراطورية الرومانية بسبب هذا الفراغ الروحي، خصوصًا في خريف تلك الإمبراطورية الذي فقد فيه الإنسان الهدف، كما يقول أبرز مؤرخي الرومان، وهو المؤرخ "جيبون".
فقد كان الروماني في ذلك الخريف يأكل حتى التخمة، ثم يدخل أصبعه إلى فمه، كي يتقيأ ويفرغ أحشاءه، ثم يستأنف التهام الطعام.
وما تشكو منه الحضارة الحديثة، رغم كل ما تنعم به من تكنولوجيا ورفاهية، هو ذلك البعد الأخلاقي، الذي غاب حين استبد الرجل الأبيض، وأنشأ صروحًا على أطلال ضحاياه، كما في كل حالات السطو الاستيطاني في التاريخ.
ومهما بلغ التطور العلمي من مراحل، منها ما يتخطى الخيال، يبقى بحاجة إلى تلك الخميرة سواء أطلق عليها اسم الضمير أو التوازن الأخلاقي، لأن البشر بدونها يطورون أدوات انتحارهم فقط، وهم لا يعلمون.
وحين يكتب مستشرقون غربيون، خصوصًا من الألمان عن الحضارة العربية، نجدهم منجذبين بقوة إلى تلك الخميرة، ومنهم من تمنى لو أن المعلقات في الشعر الجاهلي تدرس في مدارس ألمانيا، وهو المستشرق الشهير "نولدكه"، لأنها مفعمة بقيم الفروسية، والعربي فيها يعترف حتى لعدوه بالقوة، لأنه لا يكون سعيدًا بتحقيق انتصار على ضعيف، تمامًا كما ينتصر مريض في طور الاحتضار على ميت.
وما كان للعدمية الفكرية أن تتسلل إلى مناطق عديدة من العالم القديم، لولا حالة الخمول التي أصابت هذا العالم وأضعفت مناعته، وبالتالي قدرته على الاستجابة للتحديات. إن كائنات الضرورة ذات البعد الواحد تعيش كما لو أنها ستموت غدًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألخيانة والرشوة والزعامات الفاسدة

featured

من الممكن والضروري القيام بهجمة مضادة

featured

لم يسقطوا من السماء !

featured

كنت في المركز العربي للتخطيط البديل

featured

إضراب شعب أصيل<br>(ملاحظات عن استراتيجية متشرذمة)

featured

التصويت للجبهة تصويت للحياة الانسانية الجميلة

featured

في غياب الضمير

featured

ان بصقت لفوق او لتحت البصقة لابساني!