بعد يوم الأرض 1976 اجتاحت الجماهير العربية هبة وطنية لا سابق لها. وبدأت تبرز حركات، مؤسسات وجمعيات داعمة للتيار الوطني. ولوحظ كنس الأحزاب الصهيونية من شوارعنا. وقطع حاجز الخوف من الانخراط في النشاطات الوطنية. بعد يوم الأرض نشأت نخبة فكرية ثقافية جديدة، أعتبرها شخصيا نتيجة حتمية لنجاح الحزب الشيوعي في التثقيف للنضال والوطنية. ويمكن اعتبارها إلى حدٍّ ما امتدادًا للنخبة الفكرية السابقة – بقيادة التوفيقين طوبي وزياد والأميلين توما وحبيبي. ومن النتائج المهمة جدًّا ليوم الأرض كان مأسسة الحركة الطلابية في الجامعات، بقيادة الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب وبلورة دوره النضالي والوطني في هذا الميدان.
في فترة ما بعد حرب لبنان الأولى، إضافة إلى الكتل العربية الممثلة في الكنيست، رأينا نموّا واضحا ومثلجا للصدر للعديد من المؤسسات والجمعيات العربية – حزبية وغير حزبية – مثل عدالة، مساواة اتجاه، مدى الكرمل ولجنة المتابعة إضافة إلى لجنة رؤساء السلطات المحلية. ويحتل صفوفها جميعا، على وجه التقريب شخصيات وطنية سارت بمسار نوابنا في الكنيست.
القاسم المشترك لهم جميعا – وأيضا على وجه التقريب - هو أنهم جاؤوا من قيادة الحركات الطلابية في الجامعات الإسرائيلية في بداية سنوات الثمانين. هم ثمار يوم الأرض. هم من تصدوا لاعتداءات اليمين الفاشي على طلابنا في الجامعات. هم من اعتُقلوا وعُوقبوا. هم من ضُربوا وجُرحوا. هم من وقفوا في وجه طلاب يهود عنصريين قبل ان يصبحوا وزراء عنصريين في حكومات إسرائيل. هم من استطاع فرض حرية الطالب العربي في الجامعات الإسرائيلية. وهم من شق الطريق إلى الجامعات الإسرائيلية وتذليل جميع العقبات أمام الطالب العربي. حيث نشهد اليوم هذا الكم الهائل من الأكاديميين العرب والآلاف من طلاب الجامعات. إنجاز يرفع رأس أمة بكاملها.
بانتقالهم من قيادة الحركات الطلابية إلى قيادة الجماهير العربية، رأينا نوعا جديدا من القادة. قادة انطلقوا من يوم الأرض وعبروا مسار النضال في الجامعات. قادة يخاطبون الشارع الإسرائيلي بلغة جديدة. قادة لم يحصروا النضال بمقارعة المؤسسة الإسرائيلية العنصرية في الساحات الداخلية فقط، وإنما استطاعوا إلى حد كبير وبنجاح ملحوظ هدم العديد من الأسوار الاصطناعية. هُدمت الأسوار بيننا وبين أشقائنا في العالم العربي، وفُتحت جسور التعاون بيننا وبين جمعيات دولية في أوروبا وأمريكا. لم نعد وحدنا أمام اليمين الإسرائيلي. ولم تعد ساحة المقارعة محصورة في المؤسسات الإسرائيلية.
ولننتبه جميعا، هذا المجال في غاية الأهمية. وعلينا التحضير والتجهيز للتصدي المستقبلي "لفانطازيا" اليمين وحلمه بدولة "يهودية صافية". حلم عنصري سيكون له تداعيات على حقنا ببقائنا في وطننا.
خلاصة القول: إنجازاتهم؟ لا. لن أعدد مشاريع القوانين التي يقدمها نوابنا في كل دورة. فهي بالطبع مهمة. ولن أعدد مشاركتهم بأجسادهم بالتصدي لأي عدوان يتعرض له أيٌّ من جماهيرنا أو قرانا. ولكني، كمواطن فلسطيني في هذه البلاد، أكتفي بكل ما ذكر من امتداد وطني مشرف. وأكتفي بكل ما وصلنا إليه اليوم. نجحنا بالمحافظة على هويتنا العربية الفلسطينية، لغة وممارسة وانتماء. ووصلنا إلى وعي وثقافة مرموقين، حس وروح وطنية عالية، قدرة وقوة وتحدٍّ. وجاهزية عالية للتصدي لأية مؤامرة على جماهير شعبنا. أحلى إنجاز.
هكذا أعزائي، نرى ان نوابنا العرب لم يهبطوا من السماء. جاؤوا من حيث أنتم اليوم، أنت أيتها الفتاة العربية الأصيلة، وأنت أيها الشاب العربي الأصيل. والطريق إلى ما وصلوا إليه أصبح واضحا ومعروفا. هذا هو الطريق لكل من يطمح يوما ما لتسلُّم دفة القيادة.
فارفعوا رؤوسكم وشدوا الهمة "و" صوّتوا لهم اليوم لنصوِّت لكم غدًا.
(كابول)
