حنا نقارة المنتمي الى الوطن والى الشعب والى الفكر الثوري ، الملتزم بقضايا شعبه والتواق الى تحرره من طغيان الانتداب البريطاني والصهيونية ، اكتشف في وقت مبكر ان الشيوعية هي طريق الوطنية الصادقة والمثلى، فانتمي الى عصبة التحرر الوطني ومنها الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي وأصبح قائدا بارزا في صفوفه .
لم يكتف نقارة بمراقبة ما يحدث، ففي كل مجطة فاصلة أمسك بزمام المبادرة وقدم مخارج كان بمقدورها ان تمنع الكارثة او تحد منها، وكان بمقدورها ان تمنع من الحركة الصهيونية أن تتمتع بتفوقها على شعبه المحاصر بالمؤامرة.
وفي كل هذه المحطات اختار أن يفضح ويصادم عسف مركبات ثالوث المؤامرة الدنس : الامبريالية والصهيونية ، والرجعية العربية، وأن يلقي الضوء على أطراف المؤامرة وأن يمسك بهم متلبسين في الاعداد لنكبة الشعب الفلسطيني والتآمر على وجوده – جميعهم معا وكل مركب منهم على حدة !
دوّن حنا نقارة الدور الامبريالي الفاضح فكتب حول المقدمات لاحتلال حيفا عام 1948 : " فإذا دام وقف إطلاق النار بضعة أيام ، انزعج الانجليز ، وكانوا يحتلون أسطح مراكز عالية، في حي البرج ، فيقومون بإطلاق بعض الطلقات باتجاه العرب وبعضها باتجاه اليهود ، فيندلع إطلاق النار بين الجانبين من جديد ، ويسقط المزيد من الضحايا العرب ، ويستولي الهلع والرعب على السكان فتقوم موجة جديدة من النزوح."
كانت النكبة هنا ، تدق أبواب حيفا ، وتؤذن بنتائج وخيمة ، ويستذكر حنا نقارة أنه شارك مع أحمد الخليل ، في اجتماع بادر اليه القائمقام بيرجر والقائمقام رفيق بيضون طرحت في إطاره مبادرة لوقف اعمال العنف ووقف إطلاق النار في حيفا وقفا تاما الى ان ينتهي الانتداب ويتحدد وضع البلد. ، وتضمنت المبادرة إقامة لجنة إتصال لوقف اي خرق ، وأن يستطيع كل واحد ان يعود الى مسكنه ومتجره وعمله.
كان الاقتراح يعني ان تبقى حيفا مدينة مفتوحة وأن يبقى العرب فيها ، ومن شاء منهم الرجوع اليها استطاع ذلك. وكان رئيس اللجنة القومية العربية ، والشخصية الوطنية رشيد الحاج ابراهيم قد نقل المبادرة الى اللجنة العسكرية العليا في دمشق ، فرفضت فكرة المبادرة مؤكدة أنه "حتى لو سقطت حيفا فسوف نستعيدها". وتبين لاحقا ان هذه القيادة قد وضعت قائمة بأسماء ست وعشرين شخصية لاغتيالهم لأنهم يسعون الى تهدئة الاوضاع في حيفا وإبقاء السكان العرب فيها.
وكانت النتيجة ان سقطت حيفا في 22.4.1948 وشرد أهلها (دون أن يستعيدها أحد). ووجد حنا نقارة نفسه لاجئا . وبعد ان رفضت القوات البريطانية السماح له بالعودة الى حيفا على ظهر القارب البريطاني الذي أصر على نقله من عكا الى لبنان، وأمام اصراره على البقاء على القارب الى ان يعود الى حيفا، هددته القوات البريطانية بإلقائه في البحر.
لم يسلم حنا نقارة ، القائد الوطني، نفسه لليأس والاحباط ولو للحظة واحدة ، فخاض المعركة على تحريض اللاجئين على تنظيم انفسهم في اول مسيرة للعودة عبر الحدود. وطالب رئيس الحكومة اللبنانية في حينه رياض الصلح، في اطار وفد عرض أمامه قضية اللاجئين، بعدم اعتراض مسيرة العودة بمشاركة عشرات الوف اللاجئين الفلسطينيين العائدين الى بيوتهم ، لكن رئيس الحكومة رفض التعاون قائلا : "إن هذه تحتاج الى أوامر من فوق فوق.."
وبعد ان نجح نقارة في العودة من لجوئه الشخصي عبر معركة عنيدة ، خاض مع رفاقه من داخل الوطن، المعركة في سبيل تثبيت أقدام البقية الباقية من عرب فلسطين، وغرسهم من جديد في وطن الآباء والأجداد ، ومن اجل عودة اللاجئين وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية واقامة الدولة الفلسطينية.
- إعادة السياسة الى الشعب
راهن حنا نقارة ورفاقه الشيوعيون على الجماهير الشعبية، وحذر من اقصاء الشعب عن السياسة، واعتبر الترويج لنكوص الجماهير عن المشاركة السياسية ثغرة خطيرة تمر من خلالها المؤامرات .
واستخلص "أن عدم تدخل أفراد الشعب في السياسة وعدم الاهتمام بالامور العامة هما السبب في ما حل بالشعب الفلسطيني. إ ن سياسة عدم المبالاة ، سياسة النعامة التي تخبئ رأسها وتعتقد ان غيرها لا يراها ، قد أدت لى جميع هذه الكوارث." . وتساءل لمن نترك السياسة ؟ عندما تركت للقوى السياسية البرجوازية والاقطاعية ، ضاعت القضية.
فكان تاريخ حنا نقارة الكفاحي عملية استنهاض للقوى الكامنة في الشعب ، واستصغار حكام الاضطهاد القومي وتسخيف جبروتهم أمام الحق الطبيعي لاهل هذا الوطن الذي لا وطن لهم سواه. وأصبحت حياته معركة متواصلة على وضع مهاراته ليس فقط ،في الدفاع عن حقوق الناس العاديين في القرية والمدينة ، عن البقاء وعن الحق في الارض والحق في الوطن والحق في اللغة والحق في المواطنة الكاملة والمساواة في الحقوق القومية واليومية ، بل كان مدرسة في التثوير والتعبئة وبناء الثقة والقناعة لدى العامل والفلاح والموظف ، في القرى النائية والمدن المنكوبة ، بأن الكف التي تملك الحق قادرة على ملاطمة مخرز الظلم والاستبداد والمصادرة والاقتلاع وقادرة على الانتصار عليه . وأن النضال والمواجهة مع هذا المخرز هو اقصر الطرق وأقلها كلفة .
وكان لمعركة التثوير والوعي ومراكمة المعنويات في وجه الاضطهاد القومي، وتسخيف الظلم والظالمين في اعين ضحاياهم ، ، الدور الحاسم في انتقال هذا الجزء الباقي في وطنه من الشعب الفلسطيني النازف ، من نفسية النكبة : الى نفسية المواجهة والتصدي ، ومن جرائم التهجير والاقتلاع ، الى الصدام البطولي في مظاهرات أول أيار 1958، ومن نفسية ضحايا مجزرة كفرقاسم الذين سقطوا وهم يستجدون الجزار الذي يطلق النار عليهم ، الى نفسية ضحايا يوم الارض الذين سقطوا وهم يتصدون للمجنزرات والقتلة بصدورهم العارية وهاماتهم المرفوعة وحجارة ارضهم المهددة.
- معركة عنيدة وشاملة
وعلى الرغم من ظروف القهر والاضطهاد القومي التي عاشتها الجماهير العربية في اسرائيل، رفض حنا نقارة ورفاقه ان التسليم بوضعها كشعب منطوى على نفسه وعلى قضاياه اليومية والقومية ، بل أقلية قومية تشكل عنصرا هاما في معسكر قوى السلام والديمقراطية الشاملة محليا وعالميا ، وجزء من القوى التقدمية المدافعة عن السلام العالمي ومستقبل البشرية ، واسوقفني وشدني بشكل خاص أن حنا نقارة ، من موقعه عضوا في مجلس السلم العالمي، كان يجول في القرى والمدن منذ عقود مضت ، يعقد الاجتماعات والحلقات البيتية ويجمع التواقيع على العرائض المطالبة بوقف سباق التسلح النووي ، ونزع الترسانة النووية في كل مكان من عالمنا ، بما في ذلك من اسرائيل ، باعتبار هذه الترسانة مصدر الخطر الوجودي وليست الرد على هذا الخطر.
إن حنا نقارة الذي عاش ويلات الحرب والاقتلاع – كان يعرف معنى النضال من أجل السلام العادل ، والالتصاق بالارض ، ليس كسلعة ومصدر رزق فقط ، بل كقطعة من وطن .
حنا نقارة الذي ذاق طعم اللجوء – كان يعرف معنى البقاء.
حنا نقارة الذي اصر على تحدي التهجير وفرض عودته الشحصية ، وبادر الى تنظيم مسيرة العودة الحقيقية وليس الرمزية عبر الحدود اللبنانية ، منذ تموز 1948 ، لم يفارقه هاجس العودة ، ولم يفصل بين الحل العادل للصراع الاسرائيلي الفلسطيني وبين الحل العادل لقضية اللاجئين وعودتهم. ولم يفصل بين المعركة على الحريات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في اسرائيل ، وبين ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة، وفي طليعتها حقه في التحرر والاستقلال وتقرير المصير.
لم تكتب بعد الكلمة الاخيرة القادرة على تلخيص عمق الرسالة والانجاز الذي حققه حنا نقارة ورفاقه ، وصدق البدائل التي طرحوها لإنقاذ الشعب الفلسطيني من نكبته ، والخيارات الثورية التي طرحوها لتجاوز الفكر المتخلف والسياسات الرجعية . وما هذه الامسية التي نقيمها في الذكرى المئوية لميلاد حنا نقارة وفي ذكرى يوم الارض ، إلا جزء من الوفاء لالتزامنا بالقيام ببعض ذلك بحق فارس الارض والشعب ، الراحل عنا ، الباقي فينا، ليس شاهدا على العصر فقط – بل مساهما ثوريا في تحريكه .
