1948- لب الصراع . 1967 - فرصة الحل

single

اندفاع الفلسطينيين في الذكرى الثالثة والستين للنكبة في مظاهرات سلمية نحو الحدود الإسرائيلية تثبيتا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، يفتح عهدا جديدا في تعامل الشعب الفلسطيني مع حقوقه،  ويفرض على العالم وعلى إسرائيل خطابا لم تعهده من قبل في التعامل مع القضية الفلسطينية.  وجاء الرد الاسرائيلي الدموي على المظاهرات في أحياء القدس العربية وفي حاجز قلنديا وحاجز إيرز، وقتل المتظاهرين العزل بالجملة على الحدود اللبنانية والسورية والاردنية، وما رافق ذلك من زخم مظاهرات إحياء ذكرى النكبة في ميادين التحرير العربية وفي طليعتها القاهرة، وامتداد مظاهرات التضامن الى عواصم العالم،  ليكشف عمق الاحباط الذي طغى على القيادة الاسرائيلية وأفقدها صوابها، وفضح محدودية القوة الاسرائيلية، أمام الحقوق القومية والانسانية المشروعة للشعب الفلسطيني.وكشف عمق المأزق الذي تعيشه اسرائيل  وهشاشة استراتيجية الرفض التي تتمسك بها أمام شعوب  تعيد الاعتبار لدورها ولوزنها.
ان الرد العصبي على إحياء ذكرى النكبة، كما عبر عنه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي أمام الكنيست  في ذكرى ميلاد بنيامين زئيف هرتسل هذا الاسبوع، وهجومه المفتري على الشعب الفلسطيني وقيادته، نابع عن عمق الافلاس الذي تواجهه سياسة الاحتلال والتنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني،  وعن انقلاب معادلات المؤسسة الصهيونية على رؤوس أصحابها.  فإذا كانت إستراتيجية إسرائيل تقوم، منذ العام 1948 وعبر أكثر من ستة عقود، على محاصرة "النكبة" مفهوما وحقيقة تاريخية ورواية، فإذا بالنكبة هي التي تحاصر إسرائيل وروايتها اليوم . وإذا كانت سياسة المؤسسة الرسمية الاسرائيلية تقوم على نزع الشرعية عن حق العودة أمام الرأي العام العالمي والمحلي،  فإن حق العودة الذي يدق الاجراس، ويدك الاسلاك الحدودية، بات هو الذي ينزع الشرعية عن سياسة المؤسسة الاسرائيلية أمام الرأي العام العالمي، ويفتح الثغرات حتى في الاجماع القومي الذي يدعيه نتنياهو في اسرائيل نفسها.
إن نتنياهو في محاولته تخويف الاسرائيليين والرأي العام العالمي  من الحل السياسي العادل للصراع، وردعهم عن الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني، أفشى   "سره السحري"، معلنا باستنكار وتهديد وقح، أن الفلسطينيين يعتبرون العام 1948  جوهر قضيتهم وليس العام 1967. 
وهذا صحيح، وعلى نتنياهو أن يفهمه جيدا . فالنكبة هي لب الصراع . وحدود حزيران 1967  هي فرصة الحل. وسيكون على المؤسسة الاسرائيلية أن تصارح شعبها وأن تعلن خيارها دون مواربة . فإما الاستمرار في سياسة الرفض الاسرائيلية وعرقلة إنهاء الاحتلال  ومشروعه الاستيطاني، والتهرب من قيام الدولة الفلسطينية  في حدود حزيران 1967  وعاصمتها القدس الشرقية، والتنكر للحل العادل لقضية اللاجئين على أساس قرارات الامم المتحدة ، ورفض الاعتراف بالجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل كأقلية قومية وبحقها بالمساواة في الحقوق القومية والمدنية ، وإما إعادة الصراع إلى المربع الاول ، مربع النكبة وتبعاتها.
فالنكبة ليست حدثا في تاريخ الشعب الفلسطيني ، ولكنها السياق الذي جرى فيه هذا التاريخ على مدار أكثر من ستة عقود مضت ، وبات تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث هو خلاصة النضال المتواصل الواعي وباهظ الثمن، للإفلات من هذا السياق.  لقد شكلت النكبة زلزالا سياسيا هائلا يهدف إلى "إلغاء" الشعب الفلسطيني وتغييب حقوقه وإنزاله عن مسرح التاريخ، من خلال محوه من ذاكرة الوطن ومحو الوطن من  ذاكرته . وحمل الزلزال معه تغييرا جذريا في الطوبوغرافيا السكانية والجغرافية ، وأعاد صياغة التضاريس السياسية والاجتماعية والاقتصادية لفلسطين ولمنطقة الشرق الأوسط برمتها، في ظل مؤامرة هدفت إلى الزجّ بالشعب الفلسطيني ومعه شعوب المنطقة، في نفق مظلم مسكون بنفسية النكبة، لا نهاية له ولا مخرج منه, إلا إلى الضياع واليأس، والانصياع لاستراتيجيات القوى الامبريالية المهيمنة وشريكها الاستراتيجي إسرائيل ، والخضوع لمشاريعها وأطماعها في المنطقة.
وباتت القضية الفلسطينية معركة مثابرة على التخلص من نفسية النكبة ومن المفاهيم المهزومة  التي ولّدتها، والانتقال إلى تمجيد معركة البقاء والتجذر في الوطن ، ومن نفسية الإحباط  وغوث اللاجئين ومشاريع التوطين، إلى المعركة على انتزاع حق العودة ، ومن نفسية العجز أمام  المؤامرة الكبرى على الشعب الفلسطيني، ووهم "الفرج" الآتي من الأنظمة الرجعية العربية، وارتهان قضية فلسطين واحتجازها في أكبال النظام العربي الرسمي ، إلى انتزاع استقلالية القرار وبلورة الخيار الفلسطيني ونشوء منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلا شرعيا وحيدا لهذا الشعب.

وفي المحصّلة فإن تاريخ القضية الفلسطينية في العقود الستة الماضية ، وبرغم الصعوبات والتعقيدات الآنية، هو تاريخ الانتقال من نفسية النكبة إلى نفسية الصمود والتصدي والمواجهة. وإعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني وثوابت الحل العادل، بشكل جدلي واقعي،  والانتقال من حالة الإرباك أمام المؤامرة على الحقوق القومية والانسانية للشعب الفلسطيني، إلى موقع الهجوم، وفضح عناصر المؤامرة ومركباتها الثلاثة – الامبريالية ، والصهيونية، والرجعية العربية - جميعها معا وكل واحدة منها على حدة .  لقد أصبح واضحا في الوعي الفلسطيني ووعي  شعوب المنطقة وشعوب العالم، ان هذا الثلاثي هو الذي يتحمل المسؤولية، كل بحسب وزنه ، عن نكبة الشعب الفلسطيني، وعن الجرائم التي ارتكبت بحق أهل فلسطين واقتلاعهم واغتصاب وطنهم وحقوقهم . وهو الثلاثي ذاته، الذي يتحمل المسؤولية اليوم عن استمرار المؤامرة لمنع الشعب الفلسطيني من التحرر، والاستقلال، واحتجاز حقوقه القومية، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره.  
وإذا كانت الأوهام قد سقطت، بان النكبة كفيلة بالقضاء على الشعب الفلسطيني وتغييب دوره وإنزاله عن مسرح التاريخ ، فإن الدوائر الحاكمة في إسرائيل تكثف جهودها اليوم لإسقاط النكبة من التاريخ ومن الوعي الفلسطيني، ولمحوها من الذاكرة من خلال تشريع "قانون النكبة "، الذي يجرّم إحياء ذكراها ودروس المواجهة مع تبعاتها.  حتى أن تسيبي ليفني ـ وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة ورئيسة حزب كاديما ورئيسة المعارضة البرلمانية حاليا- كانت قد جاهرت (في مقابلة تلفزيونية عشية يوم "الاستقلال" الستين لاسرائيل)  :" إن على الفلسطينيين أن يعوا أن  استقلالهم  سيكون واردا  فقط بعد أن يقوموا بمحو مصطلح "النكبة" من قاموسهم ." 
 إن ما تتعامى عنه ليفني والمؤسسة الإسرائيلية عمدا، هو إن العلاقة بين قيام اسرائيل ونكبة الشعب الفلسطيني هي أشبه ما تكون بالعلاقة بين توأمين سياميين، ولدا معا ، يتحركان معا ويكبران معا .  وخلال السنوات التي انقضت منذ النكبة ، عملت إسرائيل الرسمية، بشكل منهجي على التخلص من توأمها وإخفائه والقضاء عليه ، ولكن ذلك لم يكن يوما ولن يكون ممكنا، من دون القضاء على التوأم الاخر،  وهذا هو مصدر المأزق الإسرائيلي. فقد أصبح واضحا أن إسرائيل ليست قادرة على التهرب من مسؤوليتها عن نكبة الشعب الفلسطيني من دون الالتزام بحل عادل لنتائج النكبة وتبعاتها عليه. فهل ستتمسك المؤسسة الاسرائيلية بلب الصراع أم ستنتهز فرصة الحل . ولا مكان للحياد في هذه المسألة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حكومة الرأسمال معادية للكادحين

featured

تحت العباءة الأمريكيّة

featured

الجماهير العربية بين الاداء البرلماني والعمل الشعبي

featured

إن كنتَ أنتَ أنا؛ فمَن أنا؟

featured

برامج سياسية تحالفية واضحة المعالم والأهداف

featured

كفر قاسم إلى دهر الداهرين

featured

قضايا غير منفصلة