يتلقف بعض مثقفينا العرب ما يروج في الغرب من نظريات يفرضها تطور مجتمعات هذا الغرب، لكنها لا تنطبق على الظروف الملموسة في بلداننا العربية. من ذاك ما صار البعض من هؤلاء المثقفين يكررونه في مدة من الفترات عما يدعونه "موت" الأشياء أو فقدانها، لذلك سمعنا مصطلحات من نوع: موت الموضوع، موت الشعر، موت الفلسفة، موت المؤلف، نهاية الايديولوجيا، لا بل وموت الإنسان نفسه.
اليوم، بعد عقود على ذروة رواج الأطروحات، يظهر جليًا أنه لا الإنسان من حيث هو موضوع للعلم قد مات أو تلاشى، ولا التاريخ انتهى أو توقف عند محطة أخيرة، فهو يستمر بضجيج أكبر وبحشد لم يسبق له مثيل من المآسي والحروب والنهب والاضطهاد، ولا حتى الايديولوجيا، هذه المفردة التي أصبحت بغيضة لكثرة ما ابتذلت وأزيل عنها طابعها العلمي، قد تلاشت أو انحسر مجال تأثيرها.
وإذا كان رواج هذه النظريات في الغرب مفهومًا، حيث أنجزت الحداثة، ولم يعد الحديث يدور عما بعد الحداثة، وإنما أيضًا عن "ما بعد ما بعد الحداثة"، فيما يشبه رد الاعتبار لقيم جرى التنازل عنها، فإن التكرار الببغائي لهذه المقولات في عالمنا العربي يبدو أشبه بالأضحوكة في أوطان ما زالت نسبة الأمية تصل في بعض المناطق فيها إلى نسبة ثمانين في المئة، وما زالت أجزاء من أراضيها تحت الاحتلال، فيما الفكر العربي يتراجع بشكل مروّع عن أطروحات رواد الفكر النهضوي العرب الذين آلفوا بين الإسلام والحداثة.
لا يصح التقليل أبدًا من مخاطر الردات الاجتماعية والسياسية عن المنجز المتاح في بلداننا نتيجة تطور مديد قطعه المجتمع بفضل جهود ودعوات المصلحين والمجددين، وبفضل ما يَسرهُ انتشار التعليم والوعي في مجالات الحريات الفردية وحقوق المرأة وتحديث بُنى المجتمع المختلفة. ونحن من الرائين أنه يتعين استنهاض كافة قوى الحداثة في البلدان العربية لتقف صدًا يحول دون مثل هذه الردات.
وهذا يضع على عاتق من يروق لهم أن يصفوا أنفسهم بالليبراليين التحلي بشجاعة التصدي لكل ما يعيق التقدم من قيود على الفكر ، ليس هذا فحسب رغم أهميته، لكن، وهذا لا يقل أهمية عنه، التصدي لمنظومات الفساد والاستبداد الذي من مصلحته تأبيد الجهل وقمع حرية العقل، لتصبح قضية الدفاع عن الحريات العامة وعن العقلانية هي ذاتها قضية العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق وتكريس قيم المواطنة، التي لا تستقيم للعقل حرية في غيابها.