الأجواء في مثل هذا الموسم من السنة، على الأغلب تكون باردة وماطرة، لكن طقس بلادنا بدا يتأثر على غير العادة بمرتفع سياسي حاد جدًا مصحوب بكتل تحالفية تهدف إلى الحيلولة دون عودة اليمين والليكود ونتنياهو بالذات إلى الحكم، وهذا أمر في غاية الأهمية، مما يعطي للمعركة السياسية والانتخابية زخمًا سياسيًا وجماهيريًا وبُعدًا هامًا على تحديد طابع المعركة ومستقبل البلاد والمجتمع للفترات اللاحقة.
الشارع العربي أخذ ينهض ويستفيق على ما يبدو مما يدور من تحالفات واصطفافات لمختلف القوى السياسية في الشارع الإسرائيلي. وهذا التحرك العربي الوطني له دلالات هامة على مجموع الخارطة السياسية في البلاد وكذلك يلقي تأثيره الايجابي على المواطن والناخب العربي وخاصة الناخبين الشباب.
في اعتقادي ان درجة جهوزية الشارع العربي خاصة والإسرائيلي عامة في خوض انتخابات الكنيست القادمة والمعلن عنها في 17/3/2015، لا تكاد تنحصر في اللقاءات والتصريحات الإعلامية من باب الترحيب بإسقاط الحكومة، التي كان يجب ان لا تستمر منذ ولادتها لأنها تشكل الخطر الحقيقي على مستقبل الشعبين و"عملية السلام"، ولان سقوطها عملية حتمية لكثرة التناقضات المحشوة في داخلها والانزلاق الخطير في معاداة الأكثرية الساحقة من الشعب والابتعاد أكثر ما يمكن نحو اليمين عن صنع السلام الحقيقي مع الفلسطينيين، شكلت حكومة نتنياهو وبرزت كأسوأ حكومة في مجموع الحكومات التي شكلها في المرات السابقة، لقد انحرفت نحو اليمين قولا وفعلا وأصبحت خطرًا حقيقيًا على الحياة الديمقراطية، وتمثل ذلك في محاولات سن العديد من القوانين المعادية للحرية والديمقراطية ذات طابع عنصري، تمثل ذلك بمحاولة هذه الحكومة ورئيسها نتنياهو إلى التمادي أكثر ومحاولته جر البلاد والشعب إلى ما هو أسوأ بتحويل مشاكل البلاد والمنطقة إلى صراع ديني من خلال ما يجري في القدس والتصادم مع العالم الإسلامي، وقوننة يهودية الدولة وجعل من هم غير اليهود خارج دائرة المواطنين مجرد ضيوف على البلاد بشكل مؤقت.
سقوط الحكومة الأسوأ في تاريخ حكومات إسرائيل المتعاقبة، يمكن النظر إليه بمنظار وكأن البديل جاهز لتسلم مقاليد الحكم، لكن الخارطة السياسية في إسرائيل تبقى معقدة ويمكن معرفة جاهزيتها واستعدادها من خلال عما إذا كانت هذه الأحزاب الصهيونية سواء كانت في وسط الصورة أو على يسارها، وقد طعّمت سياساتها وبرامج أحزابها وغيرت من مفاهيمها وتطرفها وأمعنت في عملية التجديد والتجدد واستعدادها في الخروج بالبلاد والمجتمع من حالة الحرب والاحتلال إلى حالة سبل التعاون والتعايش مع الشعب الفلسطيني، بدل النفق المظلم الذي دفعت به حكومة نتنياهو في إدخال البلاد والشعب فيه.
يدل مؤشر الأيام الأولى لإعلان موعد الانتخابات على ان إمكانية إحراز التغيير المنشود وإجراء التركيب اللازم للحيلولة دون عودة اليمين العنصري الفاشي إلى الحكم، ببث صورة معينة على ان الأمور تسير في شخصنة السياسة بدل نهج السياسة المدمر للحكومة وخطاب اليمين، وكأنها تدور حول تكتيك لأشخاص، كانوا بالأمس القريب حلفاء لنتنياهو أعضاء في هذه الحكومة لم يبرز واحد منهم عارض الحرب العدوانية على غزة، بل كانوا متحمسين لها ولأفعالها الإجرامية، واليوم هم أعداؤه ومنافسوه ليس على الجوهر في كيفية تحديد بوصلة البلاد والمجتمع نحو المستقبل، وإنما حصر الخلاف داخل البيت الصهيوني خدمة للرأسمال الإسرائيلي والأجنبي، ومتفقون في قتل وقمع الشعب الفلسطيني، لكن لا نستطيع ان نقضي عليه، إذًا تعالوا نتفق ان نفاوض الفلسطيني ليس على دولة مستقلة ذات حدود ولا انسحاب ولا حل لقضية اللاجئين وان القدس تحت السيادة الإسرائيلية، إذًا الحل الذي على خارطة الأحزاب الصهيونية المشاركة في العملية الانتخابية القادمة هو الاستمرار بجهود السلام دون الوصول إلى شيء، دعم استمرارية السلطة الفلسطينية في تأدية مهامها الداخلية، وليس الحملة الدبلوماسية في الخارج والأمم المتحدة، والوصول إلى إمكانية تقاسم وظيفي مع السلطة الفلسطينية، التي هي بحكم مهامها الوطنية الإدارية المسؤولة معيشيًا وزراعيًا واجتماعيًا وأمنيًا عن المناطق الخاضعة لها من غزة حتى جنين، باعتقادي ان الخلاف السياسي الجوهري إذا برز في هذه المعركة الانتخابية، ما هو الا خلاف تكتيكي له أبعاد معينة لكل حزب من الأحزاب الصهيونية التي كانت تشكل بالأمس القريب الائتلاف والسند اليميني لحكومة نتنياهو.
إسقاط اليمين ومنع حكومة نتنياهو والليكود من العودة إلى الحكم، هما مهمة ليست سهلة بالظروف الحالية، ولكن ليست مستحيلة إذا تعاونت كل الأحزاب والقوى من الوسط واليسار الصهيوني وكذلك الجبهة والأحزاب العربية واعتمدوا هدفا واحدًا ووحيدًا وهو سد الطريق أمام عودة اليمين إلى الحكم، من خلال تشكيل تحالف انتخابي وتوافق على الحد الأدنى من البرنامج السياسي الذي يجمع في داخله كل القوى المعادية لليمين والفاشية والقادرة على بناء توجه سلمي ديمقراطي لحل مشاكل البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمل على تقريب وجهات النظر في قضية السلام والأمن، بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
الأحزاب العربية الممثلة في الكنيست، وكذلك الجبهة الجسم السياسي الكبير الأكثر تجربة وتاريخًا ناصعًا والأكثر مثابرة في مقارعة سياسة حكام إسرائيل، يتطلب الأمر تعاونًا عمليًا ليس على هوامش الجلسات واللقاءات والتصريحات الإعلامية، وإنما على إرساء قواعد العمل والتعاون في وضع برامج سياسية تحالفية واضحة المعالم والأهداف، تكون مجندة للجماهير وموجهة لها وتعبر عن إرادتها الحرة في الوقوف في وجه اليمين بالتعاون مع القوى الديمقراطية والسلامية في الشارع اليهودي تخدم أسس الحل السلمي والتعايش بين الشعبين. وليس الاصطياد في رفع الشعارات والتغني بالعروبة والمزاودة ولا بالشعار الديني الذي لا يعكس وحدة جماهيرنا الوطنية.
تشكُّل قائمة واحدة أو اثنتين معًا وتعاون عربي يهودي وتعميق مفهوم التحالفات السياسية على قاعدة برنامج كفاحي نضالي أساسه ترسيخ الوحدة الوطنية والتصدي لقوى اليمين الفاشي وليس طرح الشعارات الغوغائية والمثالية المنفرة. المطلوب إلقاء الثقل الانتخابي والسياسي لمجموع لجماهيرنا العربية مع الحفاظ على تواصل وتعاون ما بعد الانتخابات على قاعدة تنفيذ البرنامج والتنسيق لزيادة اليقظة لمواجهة الأخطار المحدقة بالجماهير العربية وشعبنا عامة.
إن من شأن ذلك ان يسهم في زيادة نسبة التصويت في المجتمع العربي، وخروج الناخبين العرب للإدلاء بأصواتهم والمشاركة في العملية الانتخابية وتحمل مسؤولياتهم الوطنية والسياسية والأخلاقية في منع اليمين من جهة وزيادة نسبة المشاركة وعزل الأصوات النشاز التي تدعو للمقاطعة في المجتمع العربي. ان هذا التوجه الطبيعي والعقلاني من شأنه ان يعطي نتائج ايجابية لمجموع تحالف الوحدة وللمجتمع العربي عامة، بهذا نكون قد ساهمنا من منطلق مسؤوليتنا التاريخية والوطنية في إسقاط قوى اليمين والفاشية، ومن جهة أخرى أحسنّا الأداء السياسي والبرلماني ولبينا مطالب شعبنا عامة بالوحدة، مما يساعد على ترسيخ وتقوية مكانتنا وموقعنا خدمة لشعبنا في نيل حقوقه في زيادة تمثيلنا البرلماني الكمي والنوعي كي تستطيع كجسم كامل متكامل قادر ان يتفاعل في مجمل الخارطة والحياة السياسية والبرلمانية في إسرائيل.
ولنتذكرْ دائمًا ان ما يجمعنا كأقلية عربية فلسطينية تعيش مهددة دائما على تراب وطنها، هو أكثر بكثير جدًا على ما يفرقنا الذي هو خدمة للمؤسسة الحاكمة وأحزابها من أقصى اليمين حتى الذين يدّعون الاخوّة واليسار.
لتكن مصلحة شعبنا وجماهيرنا وقضايانا الوطنية واليومية فوق كل اعتبار.
(كويكات/ أبوسنان)
