مواقف حزبنا الشيوعي في امتحان التاريخ..

single

(الحلقة الثالثة)

 

* توطئة: هذا المقال

يأتي هذا المقال تتمة لمقالين سابقين، نشرتهما في ملحق "الاتحاد" بتاريخي 20 و27 من آذار المنصرم، وأخصص هذا المقال لتوضيح بعض النقاط، خاصة في أعقاب مقال الرفيق نضال عثمان، المنشور في ملحق الاتحاد، بتاريخ 3.4، وآمل أن يتواصل النقاش وتتوالى المقالات لما تحمله من إسهام جدي بمراجعة مواقفنا وإيضاحها. كما يهمني التأكيد على ضرورة أن نحافظ على أجواء رفاقية وودية خلال مناقشاتنا العميقة سيما وأن الاجتهادات ومهما بلغ تباينها تهدف في نهاية المطاف هدف واحد ألا وهو تعزيز حزبنا الشيوعي وأدائه وتوسيع الجبهة.

 

قبل الولوج بالمقال نفسه يهمني التأكيد، أنني أرى أهمية بالغة لإدارة هذا النقاش ليس فقط بمناسبة الـ 90 عاما على تأسيس الحركة الشيوعية في البلاد، إنما لأنني موقن أن الانتخابات للكنيست الـ 18، تحمل في طياتها فرصة كبيرة لتعزيز حضور حزبنا الشيوعي وتوسيع جبهتنا الديمقراطية للسلام والمساواة. فالإنتخابات الأخيرة لم تفرز حكومة يمينية فقط، إنما أسفرت عن إنهيار ما سميّ بـ "اليسار الصهيوني" الذي أكدنا دائما أنه ليس ابنا للحياة ما دام يسجن نفسه خلف حواجز فكرية وقومية عنصرية. ومقابل هذا الانهيار كانت الجبهة، هي القائمة الوحيدة التي تمكنت من رفع قوتها في الشارعين، العربي واليهودي، على حد سواء، وعلينا أن ننظر إلى هذا الأمر كشهادة شرف، ولكن، كتحدٍ أيضا. تحدي ألا ننظر إلى أنفسنا بمنظار ضيق، إنما أن نرى بأنفسنا وبحق أصحاب الفكر ذي الصلاحية الوحيد في هذه البلاد. هذه الحقيقة تحملنا مسؤولية كبيرة.

 

وأخيرا، بودي تأكيد إدراكي لحساسية بعض المواقف التي يناقشها هذا المقال وأن بعض الخصوم السياسيين قد يستغلونها ضدنا، لكنني متأكد أيضا أنه لن يكون أمامهم وسيلة لهذا إلا من خلال التحريف وإخراج الجمل عن سياقاتها، وعلى هذا ألا يمنعنا من مناقشة الأمور وطرحها بصراحة وحدة ووضوح.    


* مرة أخرى: الجبهة بين الموقف السياسي والحواجز الأيديولوجية

كما هو معلوم، فإن تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، في العام 1977، جاء بمبادرة من الحزب الشيوعي الاسرائيلي في أعقاب المؤتمر الـ 18 للحزب، حيث دعا هذا المؤتمر إلى بناء جبهة سياسية واسعة تتجاوز كل الخلافات الأيديولوجية، على أساس برنامج مشترك تضمن حينها 6 نقاط، والتي تطورت فيما بعد إلى 9 نقاط ولكن دون تعريف أيديولوجي مشترك.

 

حينها طمح حزبنا بالفعل إلى بناء أوسع جبهة ممكنة على أساس النقاط الست، وقد تجاوبت مع هذا التوجه قوى سياسية عديدة. إنضمت إلى الجبهة من القوى العربية: مجموعة من رؤساء السلطات المحلية العربية ، لجنة المبادرة الدرزية، مركّبات جبهة الناصرة الديمقراطية وجبهات الطلاب الجامعيين. ومن القوى اليهودية، إنضمت حركة الفهود السود، حركة اليسار الاشتراكي الاسرائيلي إضافة إلى نشطاء تقدميين، بينهم من كانوا يرون بأنفسهم صهيونيين.

 

هذه الحقيقة لا تناقض الموقف الأيديولوجي التاريخي للحزب الشيوعي من الحركة الصهيونية، فكرا وممارسة، إلا أنها عبّرت عن الإدراك لرؤية الشيوعيين للعمل الجبهوي الذي بالإمكان ومن الواجب أن يدمج تعاونا سياسيا بمواضيع متفق عليها دون التنازل عن النقاش الفكري الصارم على المواضيع غير المتفق عليها.

 

أما حقيقة أن بضعة أطر صهيونية من قوى السلام رفضت حينها الانضمام للجبهة فلم تكن بسبب معارضة الشيوعيين لذلك إنما بسبب مواقف هذه القوى المسبقة ضد الشيوعية.

 

الحزب الشيوعي من جهته، واصل السعي إلى بناء جبهة سياسية واسعة قادرة على تغيير الواقع. ومن الضروري التشديد على أن الخط الذي أقره المؤتمر الـ 18 هو استمرارية لنهج متواصل للحزب الشيوعي في البلاد الذي حاول بعد قيام الدولة مثلا دعوة "حزب العمال الموحد– مبام" إلى التعاون على طرح بديل يساري نسبة لسلطة "حزب عمال اسرائيل- مباي".

 

هذه التحركات لحزبنا الشيوعي كانت كلها، متوافقة والرؤية الشيوعية المبدئية التاريخية للعمل في الجبهات. هذه الرؤية التي وضع أسسها ديمتروف في سنوات الثلاثين من القرن العشرين، وبحسبها فإن الجبهة هي إطار يهدف إلى مواجهة مشتركة لقضايا ملحة- على أساس برنامج سياسي واضح وبغض النظر عن الخلافات الأيديولوجية. وقد كانت أكثر القضايا إلحاحا في حينه الهجمة الفاشية، وكان الرد عليها ببناء جبهة شعبية واسعة لمناهضة الفاشية.

 

واليوم، إن كنا نريد مواصلة المضي وفق الرؤية الشيوعية لعمل الجبهة فإن من واجبنا نحن أيضا تشخيص الأسئلة الأساسية الأكثر إلحاحا في واقعنا ومن ثم اشتقاق الخطوط الأساسية للجبهة السياسية التي نريدها.


* المؤتمر الـ 25، هل حقا أقر الانسلاخ عن مواقفنا التاريخية؟

يدعي الرفيق نضال عثمان في مقاله، أن المؤتمر الأخير لحزبنا الشيوعي، المؤتمر الـ 25، أسقط إمكانية ضم صهيونيين إلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. هذا الإدعاء غير صحيح. صحيح أن عددا من الرفاق، ومن بينهم الرفيق نضال عثمان، اقترحوا عدم توجيه نداء مباشر إلى التعاون حتى مع صهيونيين وصحيح أيضا أن اقتراحهم قبل. لكن تسويغ هذا الاقتراح لم يتطرق إلى إلغاء الإمكانية المبدئية لبناء جبهة سياسية واسعة رغم الخلافات الأيديولوجية، إنما كان تعليلا سياسيا عينيا، وفقه، لا توجد حاليا جهات صهيونية مستعدة أن تكون شريكة في الجبهة على الأساس الذي نقترحه، ومن هذا المنطلق، ادعى الرفاق، أنه لا حاجة إلى ذكر واضح لإمكانية ضم صهيونيين إلى الجبهة.

 

المسألة لا تتوقف عند استعدادنا على التعاون مع قوى ترى بنفسها صهيونية أم لا، إنما تصل إلى السؤال المبدئي: هل تحتمل الجبهة الحواجز الفكرية؟ الجواب وفق نهجنا التاريخي أنه لا مكان لهذه الحواجز وأي إجابة أخرى قد تشكل خطوة نحو الانسلاخ عن نهجنا التاريخي المذكور، وتثير البلبلة بين الحزب والجبهة: فالحزب يبنى على وحدة أيديولوجية وأما الجبهة فعلى أساس التوافق السياسي فقط.


* الحزب، الجبهة والموقف من الصهيونية

موقف حزبنا الشيوعي المناهض للحركة الصهيونية، فكرا وممارسة، واضح لا تأتأة ولا تردد فيه، وقد تطرقت إلى هذه القضية موسعا في المقالين المنصرمين. الصهيونية حسب تحليلنا حركة تهدف إلى نهب أرض فلسطين من أصحابها العرب وتضييق الخناق عليهم وملاحقتهم بهدف تحويل البلاد إلى يهودية. موقفنا ضد هذا الفكر والنهج لم يكن مساوما في يوم من الأيام، ولن يكون كذلك في المستقبل أيضا.

 

لكن هذا لا يحررنا من مسؤولية تحليلنا لنقاط قوة هذه الحركة، وبالتالي تحديد وسائلنا لمواجهتها. المؤتمر الـ 16 للحزب الشيوعي، أكد أن الإشكالية الأكبر هي بنجاح الصهيونية بتصوير نفسها بأعين اليهود والإسرائيليين ككلمة مرادفة للوطنية، لحب الأرض والشعب. وهذا ما لمسناه أيضا في الانتخابات البلدية الأخيرة، فعندما ترشحتُ لرئاسة بلدية تل أبيب- يافا، هوجمت من قبل النائبة شيلي يحيموفيتش بادعاء أنني مناهض للصهيونية. هذا الادعاء لم يهدف إلى فتح نقاش أيديولوجي معي إنما للتحريض وتصويري على أنني مصاب بداء الكراهية لشعبي، وبالتالي لنزع الشرعية عني.

 

نحن الشيوعيون نمتلك قدرة الدفاع عن مواقفنا وشرحها بالطريقة الأكثر حدة ودقة لكننا لا نستطيع أن نطالب كل من يريدون التعاون معنا على إبداء القدرة ذاتها. هؤلاء النشطاء المستعدون على التعاون معنا، يعلمون أنهم بخيارهم بالتعاون مع الشيوعيين يختارون طريقا صعبا، يختارون السباحة ضد التيار، وهم أيضا وبشكل عملي يختارون مواجهة سياسة سلب حقوق الشعب العربي الفلسطيني. هذا الخيار يصبح هو الأهم سياسيا حتى لو أنهم واصلوا تسمية أنفسهم بـ "الصهيونيين". فخيارهم هذا هو عمليا انسلاخ عن الفكر الصهيوني وهذا ما علينا أن ندعمه ونشجعه. علينا أن نمد يد التعون مع كل من يناهض سياسة النهب والسلب وإرشاده إلى سلوك درب جديد، دربنا.


* عودة إلى ديمتروف: أي جبهة نريد؟!

في عودة إلى مفهوم العمل الجبهوي وفق رؤيتنا الشيوعية، علينا أولا أن نشخص القضايا الأكثر مركزية في واقعنا السياسي الراهن في البلاد، وخاصة في أعقاب ما أفرزته الانتخابات الأخيرة من تصاعد لليمين العنصري والمتطرف. وبحسب تلخيصنا، هنالك ثلاث قضايا مركزية، هي:

مواجهة سياسة الحرب والاحتلال، تقديرنا هو أن حكومة اليمين المتطرف ستواصل تعميق الاحتلال وتوسيع المستوطنات في المناطق المحتلة كما ستقود سياسة عدوانية عسكرية في المنطقة. ثمة إجماع على أن حربا إقليمية بمشاركة اسرائيل وإيران هي خطر فظيع سيحمل الدمار على كل شعوب المنطقة في حال وقوعه.
الجبهة السياسية التي نريدها يجب أن تكون مؤسسة على مناهضة واضحة دون أي تأتأة أو تردد لسياسة الحرب والاحتلال الاسرائيلية ولكل الحروب التي قد تنجم عنها. على الجبهة أن تتخذ موقفا حادا ضد الاحتلال والقمع والمشروع الاستيطاني وعليها أن تطرح بديلا ساطعا بالرنو نحو السلام الاسرائيلي العربي والاسرائيلي الفلسطيني الشامل على أساس دولتين للشعبين وقطع دابر الاحتلال.

 

في امتحان السنوات الثلاث الأخيرة، نجد مثلا أن قادة ميرتس لم تتجاوز هذا الإمتحان ، الهام ولذا فإنه لن يكون بوسعهم أن يكونوا جزءا من الجبهة السياسية التي نرنو إليها وفي المقابل هنالك بالضرورة مكان للكم الهائل من النشطاء –ومعظمهم من الشباب- في ميرتس و"سلام الآن" ممن تمردوا على القرارات السياسية لقادتهم وانضموا إلينا في مظاهراتنا ضد الحرب على غزة ولبنان من اليوم الأول. فمن غير المعقول أن نقول لهم بعد انتهاء الحرب، أن التعاون بيننا انتهى وأن عودوا إلى قيادتكم بضمائر مرتاحة!


القضية المبدئية الثانية هي الدفاع عن الديمقراطية والحريات. التهديدات العنصرية واليمينية على الهامش الديمقراطي تتصاعد بهجمة خطرة على حقوق ومكانة الجماهير العربية في اسرائيل. مقابل هذه الهجمة على الجبهة السياسية التي نقترحها أن تطرح شراكة نضال حقيقية، يهودية-عربية، عربية- يهودية.
من ليس مستعدا لبذل الجهود المطلوبة لبناء سياسة مشتركة لا يستطيع أن يكون شريكا معنا في هذه الجبهة. ومقابل هذا فإن الجبهة ستكون مفتوحة أمام كل الناس اليهود والعرب ممن يدركون أن الشراكة اليهودية العربية كنز حقيقي في النضال ضد العنصرية والقومجية ومن أجل ضمان المساواة القومية والمدنية للأقلية القومية الفلسطينية في البلاد.


القضية السياسية الثالثة، هي القضية الاقتصادية- الاجتماعية. الحكومة الجديدة هي أيضا حكومة يمين متطرف اقتصاديا، تهدف إلى تحميل كل عبء الأزمة الاقتصادية على أكتاف الطبقة العاملة وإلى مواصلة عمليات الخصخصة وتقديم التسهيلات لحيتان الرأسمالية، في حين تتفشى البطالة في المركز والضواحي، بين عمال الهايتك وعمال المصانع. لذا فمن واجب الجبهة السياسية طرح بديل لسياسة دعم رؤوس الأموال من خلال انتهاج سياسة المسؤولية الاجتماعية والدفاع عن حقوق العمال وأجورهم وأماكن العمل والدفاع عن الخدمات العامة، بما فيها جهاز الصحة والمعارف، وعن سلامة المواطنين من الآفات البيئية التي يتسبب بها أصحاب رؤوس الأموال.
على الجبهة السياسية العمل على ضمان المساواة الاجتماعية للمواطنين العرب، النساء، البلدات النائية والشرائح المستضعفة.


* بين عمل الجبهة والتحالفات العينية

علينا ألا نخلط بين الجبهة السياسية المبنية على توافق سياسي بعيد المدى وبين التحالفات العينية التي قد تنشأ بين حين وآخر لمعالجة قضية معينة وعينية. فكرة إقامة التحالفات تكون جيدة، عندما لا يكون هنالك مجال لخوض النضال ضمن إطار أوسع، فهدفنا ومهمتنا كشيوعيين تكون بالربط بين النضالات المختلفة ودمجها في جبهة واحدة لخدمة أهداف سياسية واضحة. بنظري، العمل ضمن تحالفات عينية وآنية، هو عمل ضروري لكنه يوازي بأهميته الصف الأول الابتدائي، والانضمام إلى الجبهة ارتقاء إلى المرحلة التوجيهية لكن هدفي يكون بأن يصل الجميع إلى الجامعة- إلى حزبنا الشيوعي. 


* مسؤوليتنا بحجم طرحنا..

بلورة الجبهة السياسية عملية معقدة وتتطلب جهودا مضنية، وقرار بناء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة عام 1977 كان خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح وتوسيعها اليوم لتكون بحق جبهة سياسية يسارية عربية يهودية قادرة على طرح البديل ليس مهمة سهلة، لكنه المهمة المطلوبة الأكثر إلحاحا في واقعنا القاسي، اليوم.

 

علينا بذل كل الجهود لبناء الجبهة السياسية الواسعة، لئلا نضطر إلى الإعتراف أمام الفلاح الفلسطيني الذي يجابه المصادرة والجدار، وأمام الشاب العربي المناضل لضمان حقوقه القومية والمدنية كمواطن في اسرائيل، أو أمام العامل المناضل للحفاظ على مكان عمله في مسلخ للدجاج، أو ربما أمام شعوب المنطقة برمتها، التي تهدد سياسة هذه الحكومة وجودها.. لئلا نضطر إلى الاعتراف أمام كل هؤلاء أننا لم نقم بكل ما بوسعنا لطرح بديل قوي ومقنع. فمسؤوليتنا كبيرة وكذلك التحديات.

قد يهمّكم أيضا..
featured

تواطؤ الأنظمة "من تحت الطاولة"!

featured

الى جهنمَ وبئس المصير أيها الاوباش

featured

هُناك مكان لمن يُصلي

featured

الاستيطان، السرطان!

featured

الآن معركة العلاج والإعمار

featured

جُـودًا وُجـودُك كـان

featured

ينقّبون عن مهرب أمني