صور الاحتفالات في غزة بانتهاء العدوان، اختلطت بخلفيات الدمار والركام التي خلفتها الوحشية السياسية والعسكرية الاسرائيلية. وقد وصف أحد المواطنين لـ"رويترز" الأمر بـ"المشاعر المختلطة، فوجعنا كبير لكننا فرحون بأن هذه الحرب لم تكسرنا". بالمقابل، بدت الصورة العامة في اسرائيل قاتمة ومكفهرّة، مما يعبر عن خيبة الأمل الرسمية والشعبية من نتائج العدوان الطويل على غزة، والذي لم يحقق أيًا من الهداف التي رسمتها حكومة بنيامين نتنياهو لنفسها وسوّقتها بكثير من الصلف.
وعلى الرغم من أنه قد يصعب الحديث بلغة الانتصارات، فإنه من السهل توجيه الاصبع الى الفاشل، خصوصًا أن الاعترافات بالفشل تتوالى على الألسنة الاسرائيلية الرسمية. وهو ما يفضي الى وضع يتوقع مراقبون أن يقود الى هزّات سياسية جدية، والى تعميق الشرخ وحدّة التناقضات في الحكومة وائتلافها.
فيما يتجاوز ذلك التعريف والتوصيف لما انتهت عليه الأمور، يقف السؤال الأهم: ماذا بعد هذا العدوان الذي امتد على ما يزيد عن 50 يومًا من المجازر والتدمير؟ كيف يجب مواجهة الآتي؟ فالحكومات الاسرائيلية صاحبة باع طويل وتجربة مُثبتة في التلاعب والخداع والتنصّل من الاتفاقيات ودفن الألغام في طريق تطبيقها. وهو ما يقتضي وضوحًا ومثابرة في الاداء الفلسطيني حتى تتحقق البنود المرتبطة برفع الحصار اللاإنساني عن غزة.
وكما أكدنا في سياقات أخرى، نكرر أن الضمانة الأولى للسير بثبات نحو تحقيق المطالب هي تواصل وتعزيز الموقف السياسي الفلسطيني الموحّد، ليس لفتح وحماس فقط، بل لجميع مكونات العمل السياسي الفلسطيني. وهو ما يجب أن يتجسّد في التمسّك بحكومة الوفاق، التي كان اغتيالها هدفًا استراتيجيًا للعدوان الاسرائيلي (وقد فشل!).
إن انتهاء العدوان يكشف حجم الجهد الهائل الذي يجب بذله من أجل معالجة أوضاع الفلسطينيين الذين تضرروا بدرجات مرعبة من وحشية العدوان الاسرائيلي. سواء بالنسبة الى عائلات الضحايا الشهداء والمصابين والمعاقين والمشردين الموزعين على المدارس والمشافي. إن معركة المعالجة والترميم والإعمار لا تقل عن معركة المقاومة ومعركة الصمود، بل هي جزء جوهري من المقاومة والصمود بالمفهوم الواسع والعميق. ومن هنا أهمية التوجه بعقول متقدة وقلوب متآلفة وسواعد قوية الى هذه المعركة، والحفاظ على الحيطة والحذر من شتى محاولات الإفشال ومن بعض مساعي جني الأرباح السياسية الاقليمية على حساب معاناة غزة!