إن البشرية منذ نشوئها وخلال تطورها التاريخي كانت قد عرفت أساليب التزوير والتشويه والمغالطات التي هي في الحقيقة لا تخدم الجماهير بل تشوه العلاقات الانسانية بين الناس.
اليوم نرى مزورين ومشوهين لتاريخ أناس أمضوا حياتهم كلها في خدمة جماهير شعبهم وقضيتهم العادلة ولم يطلبوا من أحد أن يمدحهم أو يعطيهم أية جائزة، بل كانوا يقومون بواجبهم الانساني والطبقي والقومي والأممي. ومن هذا المنطلق الفكري التقدمي كانوا يقومون بعملهم من اجل خدمة شعبهم بقدر الامكانيات المتاحة في تلك المرحلة.
إننا نرى اليوم ان هناك البعض الذين يقومون بعمل لا أخلاقي ولا انساني في التمادي على قامات تاريخية وعلى حزب لهم باع طويلة في خدمة جماهيرنا العربية التي بقيت في وطنها، وعملوا بكل الامكانيات والاساليب المتاحة في تلك المرحلة من أجل بقاء هذه الجماهير في وطنها، ومن أجل المحافظة على تراث ولغة وتاريخ هذه الجماهير في وطنها ومن اجل المحافظة على تراث ولغة وتاريخ هذه الجماهير من الضياع. بقيادة هذه القامات التاريخية الجريئة والمسؤولة الى ابعد الحدود قاد الحزب الشيوعي هذه الجماهير في معركة نضالية طويلة ومريرة ضد الحكم العسكري وسياسة الاضطهاد القومي وسلب الاراضي والتمييز العنصري الذي انتهجته سياسة حكام اسرائيل ضد جماهيرنا العربية حتى يومنا هذا.
إن اعضاء الحزب الشيوعي واصدقاءه وجميع الوطنيين المخلصين لقضية شعبهم قد لاقوا مرارة العيش والسجن والنفي واثبات الوجود والاقامات الجبرية نتيجة لمواقفهم الجريئة، في الدفاع عن قضايا شعبنا القومية واليومية والإنسانية وحقهم في الحياة الحرة والكريمة . هل مثل هؤلاء يستحقون التمادي عليهم وتزوير تاريخهم المليء بالتضحية والنضال المتفاني من اجل خدمة قضايا شعبهم القومية واليومية العادلة.
إن هؤلاء المزورين والمتمادين في هذه الايام على الحزب الشيوعي وقيادته التاريخية في الحقيقة ان كان ذلك عن وعي او عن غير قصد، انما يخدمون اجندة الثالوث الدنس المعروف لنا جميعا وهو الاستعمار والحركة الصهيونية العالمية والرجعية العربية. وهذا الثالوث ما زال يتآمر على شعبنا العربي الفلسطيني وعلى شعوبنا العربية كافة حتى يومنا هذا. ألم يكن هذا الثالوث الدنس ولا يزال هو من يمنع اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة حتى على الجزء القليل من الارض الفلسطينية التي احتلت في سنة 1967 حتى يومنا هذا؟
المرحوم ابو اياد صلاح خلف احد قادة منظمة التحرير الفلسطينية قال في كتابه الشهير "فلسطيني بلا هوية" في معرض حديثه عن خيانات الانظمة العربية: "ان كل الثورات التي ولدت في فلسطين تم اجهاضها في العواصم العربية". وتاريخ قضية شعبنا المأساوي يؤكد هذه الحقيقة حتى يومنا هذا.
إن كل الاحداث التي تجري في عالمنا العربي واليوم بالذات تؤكد مثلنا الشعبي عن جحا الذي يقول "مراجل جحا كلها على مرة ابوه". وها نحن نرى اليوم الحكام العرب يجرون جيوشهم الجرارة ضد شعوبهم ضد سوريا واليمن والعراق وليبيا وحزب الله، اننا نرى القصف الجوي المستمر منذ اكثر من سنة على اليمن الذي لم يبق سعيدا والتآمر المستمر على سوريا منذ اكثر من خمس سنوات.
إنني أتساءل ما هو الهدف من الحديث اليوم عن مواقف للحزب او لتوفيق طوبي والذي يقال عنه انه خطاء هل هو الخطاء الذي يتحدثون عنه؟ أهو الذي منع اقامة الدولة الفلسطينية؟ ام ان التآمر المستمر على شعبنا وقضيته العادلة منذ اكثر من قرن من الزمن من قبل الثالوث الدنس وكل القوى المعادية لشعبنا؟
تعالوا يا محترمون نستعرض تاريخ التآمر على شعبنا منذ اكثر من قرن ونصف.
للحقيقة والتاريخ انه قبل قيام الحركة الصهيونية التي اقيمت في سنة 1897 كان هناك متمولون يهود عملوا على شراء الارض في فلسطين وكان اول بيع للأراضي في سنة 1855 على يد المتمول مونتفيوري الذي اشترى مساحة من الارض في القدس والمعروفة اليوم بحي منتفيوري في القدس وكان ذلك في زمن السلطان عبد الحميد. وهذا عمليا قبل ان يصدر قانون امتلاك الاراضي للأجانب في فلسطين وحتى قبل هذا القانون بسنوات قليلة اعلن المتمول روتشيلد عن رصد خمسة ملايين ليرة استرلينية لشراء الارض في فلسطين.
إن الحقيقة التاريخية تؤكد انه في زمن الاستعمار التركي كان قد امتلك المتمولون اليهود في فلسطين 420200 دونم والتي اقيم عليها حتى سنة 1914 سبعه واربعون مستعمرة يهودية وليس هنا المجال الآن لتسميتها، وكانت اول مستعمرة اقيمت هي " مكفي يسرائيل أي " مبعت امل اسرائيل وكان ذلك في سنة 1870 على اراضي قرية اليازور العربية في ذلك الوقت القريبة من يافا.
بعد الاستعمار التركي على فلسطين الذي دام اكثر من اربعة قرون جاء الاستعمار البريطاني مع وعد وزير خارجيتها بلفور المشؤوم بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
إن مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين كانت عمليا مرحلة الاعداد من قبل بريطانيا من اجل اقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين. والشعب العربي الفلسطيني قام بثورتين أساسيتين الاولى في سنة 1929 واجهضت من قبل الثالوث الدنس والثانية كانت في سنة 1936 وهي في النهاية اجهضت ايضا من قبل الأنظمة العربية حيث طالبوا قيادة الثورة بالتوقف" والاعتماد على صديقتنا بريطانيا".
في تلك المرحلة ازداد الاستيلاء على الارض من قبل الحركة الصهيونية هذا بالإضافة الى توريد الاسلحة الى المنظمات الصهيونية من قبل بريطانيا. لقد كان التآمر واضحًا على شعبنا العربي الفلسطيني.
وهناك من كان ضلعا اساسيا في هذا التآمر في عالمنا العربي وفي مثل هذا الوضع كان قرار التقسيم في الامم المتحدة والذي رفضته الجامعة العربية واقامت قوة عربية مشتركة من اجل التصدي لمثل هذا القرار واوكلت القيادة للأمير عبدالله وغلوب باشا البريطاني لقيادة الجيوش العربية واقيم جيش الانقاذ ودخل فلسطين كما يدعون من اجل تحريرها، وماذا كانت النتيجة كان هذا الجيش ومن بقيادته عملوا على ترحيل الشعب الفلسطيني وتسليم قراه للقوات الإسرائيلية.
في سنة 1948 كنت ابن احد عشر عاما وفي قريتنا عرابة البطوف كان مركز لجيش الانقاذ وكان قائدهم شخص عرف باسم دمرجان وهو كان القائد الاول في منطقة البطوف وبعد الاحتلال عرف انه كان ضابطا من قوات الهجانا وسمعنا عن مثله الكثيرين في مثل هذا الجيش المسمى بالإنقاذ. واعرف ايضا انه في احدى المرات احتلت القوات الإسرائيلية قرية البروة وجاءت قوة من الشباب الوطني من سخنين وعرابة وشعب وحرروها من القوات الإسرائيلية وسلمت لجيش الإنقاذ ولكن بعد ساعات فقط انسحب. وانا اتساءل أهذا جيش انقاذ ام جيش تسليم؟
إن قبول قرار التقسيم من قبل الحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي ليس لأنه القرار الامثل بل لأن هؤلاء كان لديهم الرؤيا البعيدة لأنهم رأوا بُعد المؤامرة وان النتيجة ستكون اسوأ من هذا القرار وهذا ما جرى عمليا حتى يومنا هذا.
هناك من يدعي ان موقف الاتحاد السوفييتي وموقف ستالين جاء لأنهم فكروا ان اسرائيل ستكون دولة اشتراكية. ان مثل هذا التفكير هو عمليا تفكير ساذج ولا يمت للحقيقة بصله.
الاتحاد السوفييتي وستالين لم يكونوا بسطاء ولا سذجا بل كانوا على علم ومعرفة حقيقية بماهية وجوهر الحركة الصهيونية ودورها التاريخي في خدمة الاستعمار وبشكل خاص البريطاني الذي اعطاهم الوعد بإقامة الوطن القومي في فلسطين. وهذا كان طبيعيا جدا ان تعرف الاحزاب الشيوعية في العالم وكذلك عصبة التحرر الوطني في فلسطين ان الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية وبأنها ذراع اساسي للاستعمار في العالم بشكل عام وفي الشرق الأوسط بشكل خاص.
إن قبول عصبة التحرر الوطني في ذلك الوقت لقرار التقسيم لم يكن نزوة او لأنه الحل الأفضل بل لان الحل الآخر هو الاسوأ بما لا يقاس، وهذا عمليا ما نراه من نتائج المواقف المتشنجة وغير الصادقة التي اتخذها الحكام العرب في ذلك الوقت. وما زال البعض يتخذها حتى الآن.
في الواقع أن جميع الملوك والرؤساء العرب لم يروا اهمية ولا ضرورة لقيام دولة فلسطينية خاصة وأن السعودية منذ اوائل الثلاثينات من القرن الماضي وبضغط من بريطانيا وقعت على وثيقة بقبول اقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين. وكذلك الأمير عبدالله الذي كان له طموح في ضم اقسام من فلسطين الى الإمارة الأردنية من اجل ان يعلن عن اقامة المملكة الاردنية الهاشمية، وهذا ما جرى بعد اتفاقية رودس والتي بموجبها اعطى المثلث الجنوبي والشمالي هبة الى اسرائيل في سنة 1949 وبعدها اعلن عن اقامة المملكة الاردنية الهاشمية بعد ان ضم الضفة الغربية الى امارة الاردن، هل احد من عصبة التحرر الوطني او توفيق طوبي منع اقامة الدولة الفلسطينية؟! ام ان هذا التآمر المستمر ضد قضية شعبنا العادلة من قبل الثالوث الدنس. والذي ما زال يعمل بكل ثقله من اجل منع اقامة الدولة الفلسطينية حتى على هذا الجزء المتواضع من الاراضي الفلسطينية التي احتلت سنة 1967.
إنني أتساءل ما هدف هؤلاء الذين يتمادون على الحزب الشيوعي وهم يعرفون جيدا الدور التاريخي الهام الذي قام به هذا الحزب بعد نكبة شعبنا في سنة 1948، وكيف عملت قيادة هذا الحزب ورفاقه واصدقاؤه على احتضان هذه الجماهير التي بقيت في وطنها وكانت هذه الجماهير كالأيتام على موائد اللئام وكانت في اكثريتها المطلقة فلاحين ومثل ما يقول المثل "لا مع الست بخير ولا مع السيد بخير". وكيف عمل الحزب بكل امكانياته المحدودة في ذلك الوقت من اجل بقائها ومن اجل المحافظة على تاريخ وتراث هذه الجماهير من خلال صحافة الاتحاد والجديد والغد، في ظل محاولات حكام اسرائيل الدائمة من اجل اقتلاع هذه الجماهير من وطنها ومن خلال نظام الحكم العسكري وسياسة سلب الاراضي والتمييز العنصري الذي مارسته وما زالت تمارسه حتى يومنا هذا ضد جماهير شعبنا.
كفى تماديًا على تاريخ هؤلاء الشرفاء! واني ارى في مثل هؤلاء المتمادين بانهم يخدمون بشكل مباشر جميع القوى التي لا تضمر لشعبنا خيرا.
انظروا ما يجري في العالم العربي هل هذه القيادة في الدول العربية واضعة قضية شعبنا على سلم اولوياتها، ام ان سلم اولوياتها اليوم هو تمزيق العالم العربي كله. وحتى العالم الاسلامي بين سنة وشيعة.
انني اقترح على الجميع بدلا من صب جام غضبنا على الناس الشرفاء، ان تعالوا نتوحد بصدق من اجل مجابهة الاعداء والخصوم الاساسيين لشعبنا. وبشكل خاص الرجعية العربية والحكام العرب الذين غيروا بشكل واضح المثل الشعبي الذي يقول بما معنى" انا واخوي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب" وحكام عالمنا العربي غيروا هذا المثل الى " انا والغريب ضد اخوي".
أليس كل هذا الذي يجري في عالمنا العربي وحتى بين الفصائل الفلسطينية التي تعمل انقلابات عسكرية وهي تحت الاحتلال ولا تجد اللغة المشتركة بينها. أليس هذا الواقع الذي نعيشه يؤكد على ضرورة ان تخرس هذه الاصوات الصبيانية وغير المسؤولة والتي هي من الناحية العملية تسيء اولا لنفسها وثانيا وهو الأهم تسيء لتاريخ المناضلين الشرفاء الذين حملوا دمهم على اكفهم من اجل الدفاع عن قضايا شعبنا العادلة في وجه سياسة حكام اسرائيل العنصرية. من المؤسف حقا انه يوجد من يسمع مثل هؤلاء حتى اليوم بالرغم من كل المآسي التي مرت وما زالت تمر على شعبنا، وعلى هذا الاساس اطلق صرختي وصرخة كل الناس الشرفاء الذين تهمهم قضية شعبنا ان اصحوا يا بشر قبل فوات الاوان، وخاصة في مثل هذه الظروف السيئة التي يعيشها عالمنا العربي.
(عرابة البطوف)
