بعد الإجهاز على معظم المرافق العامة ("مرافق الدولة"، والتي يُفترض من أصله أن تكون مرافق الجمهور) وخصخصتها، أي نقل ملكيتها إلى أصحاب الرساميل الكبيرة، ينتاب صانعو القرار في دولة إسرائيل الديمقراطية جدًا هاجسًا جديدًا، هو مصادرة القليل المتبقي من حرية للمواطنين.
إن سعي الحكومة إلى سن قانون يوسّع من رقعة التجسّس المقونن على المواطنين ومعطياتهم الرقمية والإلكترونية من محادثات هاتفية ورسائل إلكترونية ونصّية وغيرها، دون رقابة قضائية، يعني بالضرورة تعديًا فظًا على الحق في الخصوصية، وستترتب عليه بالضرورة إساءة استخدام لهذا الكم من المعلومات في يد السلطة.
فسيكون بإمكان كل شرطي تتبع تحرّكات كل شخص، بما في ذلك آرائه السياسية ومراسلاته الإلكترونية إلخ، وهو ما سيُستخدم بالضرورة لفرض قيود جديدة ورقابة مشدّدة على العرب ونشطاء اليسار وسائر ضحايا القوانين الفاشية التي سُنت والمنوي سنها في ظل هكذا حكومة وهكذا كنيست.
كما تؤكد التجربة أنّ مخزونًا كهذا من المعطيات سيتسرّب عاجلاً أم آجلا إلى أيد تجارية تحوّله إلى سلعة لجني الأرباح، على حساب حق البشر في الخصوصية وعدم التحوّل إلى كائنات مهمتها الأساسية الاستهلاك!
ونرى في سياق شبيه مقترحًا حكوميًا آخر يتيح لرجال الشرطة تفتيش أي شخص دون الاشتباه بأي مخالفة قام بها. والتجربة تقول أنّ ضحايا هذه السياسة سيكونون من العرب وذوي البشرة الداكنة وكل من يقع ضمن خانة "المشتبه الفوري" في نظر شرطة إسرائيل؛ الشرطة التي أكد تقرير "لجنة أور" أنها تعامل العرب بعدائية، والتي تحقق نجاحات لافتة في كل مهامها القمعية وتفشل فشلا ذريعًا في حفظ أمن وسلامة الناس!
إنّ هذه القوانين الخطيرة والمرفوضة، وفضلا عن أهدافها المباشرة الملموسة، تهدف كذلك إلى شحن وعي المواطن بأنّ "الدولة"، أي السلطة الحاكمة بما هي من مصالح سياسية وطبقية متشابكة، موجودة في كل مكان وقادرة على كل شيء، ولذا لا جدوى من معارضتها أو مقاومتها أو حتى التفكير بذلك. إنّه نتاج تلك العقلية التي تدوس الفرد باسم "مصلحة الدولة" أو "مصلحة الأمة": الفاشية.
()
