*إياكم والبصق على التاريخ*
مع اقتراب انتخابات الكنيست بدأت الأحزاب العربية تعد عدتها لخوضها. ومع احترامي الشديد للقوائم العربية إلا ان بعض الأحزاب تأبى الا استغلال دعايتها للدم الفلسطيني المسفوك أن تكلل حملتها الانتخابية بالتهجم الأرعن على الشيوعيين وتاريخهم ظانين ان طريق الكنيست تمر عبر الهجوم على حزب له بصماته الواضحة في حلباتنا السياسية والاجتماعية، واكثر من ذلك له دوره في صياغة معالم الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني وهذه حقيقة لا يمكن لأي كان ان يتجاهلها .
وعودة الى منبر الدم الفلسطيني النازف في غزة ..فلقد نادينا دائما بضرورة تجنب هذه الأخطاء ..اخطاء استغلال الألم الفلسطيني منبرا لتسويق البضاعة الانتخابية ...فالدم الفلسطيني ليس مادة انتخابية وليس يافطة نعلق عليها أجنداتنا وشعاراتنا وأقول ارحموا الدم الفلسطيني ..أسوق هذا الحديث بعد ان استمعت لأحد أعضاء الكنيست العرب "يتعنتر" في إحدى الفضائيات بتاريخ 19 /12 ويحاول ركوب موجة الدم الفلسطيني ليبرز لنا مواهبه وقدراته الخارقة وحتى معرفته بعلم الغيب ويضع تاريخا لا بل ساعات للتهدئة ووقف إطلاق النار! لست ضد ظهور أحد بالفضائيات يحلل ويجتهد ضمن اطار العقل والمنطق السليم لكنني ضد استغلال آلام شعبنا لابراز العنتريات.. فشعبنا اكبر من العنتريات وآلام غزة ليست اعلاما مباحا للبعض.
ومن عنتريات الدم الفلسطيني تقودنا الأحداث الى عنتريات الحملة الانتخابية والتي باتت على أبوابنا .. تحاول بعض الأحزاب وحتى لو كلفها الأمر تزوير التاريخ وقلب الحقائق من اجل توسيع قاعدتها الانتخابية وذلك من خلال التجني على تاريخ الشيوعيين في هذه البلاد فيبدأون بفتح صفحات النكبة وبدعة السلاح "التشيكي" وصولا الى اليوم .. اختلاق قصص وأحداث ليس لها في الوعي الجماعي أي حيز.. وهذه المختلقات لا تستند الى أي أساس أو خلفية.. اللهم الا التجني وتشويه تراث وطني حقيقي قاده الشيوعيون منذ نكبة شعبنا .. نعم اشدد قاده الشيوعيون ورفاقهم الجبهويون لاحقا .. وكي لا اتهم بالتملق والتجني فإنني أصرح ورغم قناعاتي الفكرية الماركسية بأنني لا انتمي للإطار التنظيمي الحزبي أو الجبهوي ..بل اكتب بما يمليه عليّ ضميري الانساني انصافا للحقيقة وانصافا للتاريخ .
من العار ثم العار ان نبصق على تاريخ صاغه رفاق الحزب بالدم والعرق والدموع .. ومن العار أيضا ان نتنكر لهذا التاريخ من اجل الاصوات .. فمن يريد ان يوسع قاعدته الانتخابية عليه اولا ان يعترف بالتاريخ وحقائقه وينصف دور الشيوعيين .. الحزب الشيوعي ليس بحاجة لاعترافاتي وتقييمي لكنه بحاجة لمن يقف الى جانب الحقيقة .. حقيقة انه لولا وجود هذا الحزب لكنا حطابين وسقاة ماء كما ارادتنا الحركة الصهيونية .. ولا أبالغ حين أقول بان سر بقائنا هنا على ارض الآباء والأجداد يكمن بوجود الحزب وقوته الرادعة التي لم ولن تسمح للصهيونية بالعبث بمصيرنا ومستقبلنا.
هذه الحقيقة تقودنا الى سر الحملة التي يفتعلها الآخرون ضد الجبهة وان كانت هذه الحملات لا تحمل طابع الرسمية ولا يتبناها أي حزب إلا أنها تأخذ مجراها اللارسمي بين كوادر وقواعد الأحزاب الأخرى وحتى في وسائلهم الإعلامية وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي !
تغيظني جدا أقوال وخربشات بعض المحسوبين على الأحزاب الأخرى الإسلامية والقومية وتهجمهم الدائم على الشيوعيين دون حجة مقنعة ودون إسناد أقوالهم لأسس واقعية بل ان التهجم يأتي فقط من اجل التهجم ظانين ان هذا النهج سيقوي قاعدتهم الانتخابية وهم لا يعرفون بأن شعبنا يمتلك من الوعي ما يمكنه من رصد ومعرفة الهدف من وراء هذه الخربشات ..لا يعرفون بأن شعبنا بغالبيته لم يتعود ان يبصق على التاريخ ويتنكر له بل هو شعب وفيٌّ للتاريخ ووقائعه ويعرف كيف يخرس الأصوات التي تهدف الى خدش عري النسيج الاجتماعي والسياسي لهذه الجماهير .
*عن الدكاكين الحزبية الموسمية وتجار الأصوات *
قد أتفهم أن يخوض التجمع الانتخابات وأتفهم أيضا أن تخوض الموحدة الانتخابات رغم تناقضي معهما فلكليهما رصيد جماهيري معروف لكنني لا استطيع استيعاب خوض الحزب القومي العربي الانتخابات وحده ولا استطيع حتى لملمة الأسباب والدوافع والتي إن عبرت إنما تعبر عن نهج غير حكيم هدفه لفت نظر الشارع لا أكثر .. الحزب القومي والذي كنت احد مؤسسيه المركزيين عام 2002 وبتواضع أقول أنا من صغت برنامجه ودستوره "الذي أكله الحمار" لم يكن يوما ما حزبا ذا بنية تنظيمية أو فكر سياسي بل كان يراوح ما بين الشعاراتية والموسمية حتى تركزت جهوده ونشاطاته على "العقائق" والموالد" أقول هذا الأمر بمسؤولية ودون خجل واضيف بان هذا الحزب لم يعد يملك من رصيد (وهو لم يملك أصلا) إلا مكتبا فارغا ومكرمات ملكية!
هذه الدكاكين الحزبية خاوية إلا ممن يسمي نفسه رئيسا للحزب لا تحتوي على أي بضاعة يمكن عرضها وتسويقها لتجذب الناخبين وليس لقيادتها أي رصيد سياسي أو جماهيري ...تفتح أبوابها مع كل انتخابات بعد غياب مستديم وتدعي بأنها صاحبة رصيد جماهيري هائل ..
هي لا يهمها السياسة أو العمل الجماهيري ولا حتى مصالح الجماهير بقدر ما يهمها ابتزاز القوائم الانتخابية الكبرى ماديا لا أكثر. من هنا ولعدم شرعنة لغة الابتزاز يتوجب على القوائم الانتخابية الكبرى وتحديدا على الرفاق في الجبهة رغم إدراكي ان الجبهة لا تتعاطى إطلاقا مع مثل هذا النهج لأنها ترى بهذا السلوك سلوكا لا شرعيا من شأنه ان يحوِّل المعركة الانتخابية الى معركة مادية بامتياز ..فالمطلوب من الأحزاب الأخرى إقفال النوافذ والأبواب بوجه هؤلاء ..فهذه الفئة ترعرعت ونمت وشكَّلت أحزابها على أرضية الثقافة المادية لا أكثر ولاقت رواجا ولفترة في بازار الانتخابات .
من المؤسف انه وخلال الانتخابات يكثر الانتهازيون وسماسرة الأصوات ليس فقط من القوائم اليهودية بل من القوائم العربية وكلنا نعرفهم تمام المعرفة ..يبدؤون صولاتهم وجولاتهم بتقديم الإغراءات المادية والوظائفية لجمهور الناخبين دون وازع سياسي أو حتى أخلاقي ومن اجل ان تبقى معركتنا معركة حضارية يتوجب قبر هذه الظاهرة المشينة والتي تسيء لتاريخنا ومسيرتنا .
* كي لا نضيع البوصلة
في نقاش لي مع احد أصدقائي المثقفين العرب في الخارج قبل أشهر حول جدوى مشاركتنا في انتخابات الكنيست والذي تماثلت دائما مع رأيه بضرورة مقاطعة الانتخابات والاهتمام أكثر بالعمل الميداني - فبرأيه ان مشاركتنا تبيِّض صفحة اسرائيل العنصرية وتبرزها على أنها ديمقراطية ..في نقاشي الأخير تفاجأ بأنني سأصوت هذه المرة وعن قناعة وبضمير نقي وعندما سألني لمن .. أجبته للجبهة واذا كنت لا تعرف الجبهة أقول لك إنها جبهة توفيق زياد واميل حبيبي وتوفيق طوبي ..انها جبهة محمد بركة ومحمد نفاع وو..أجاب يكفي يكفي ..كنت اعرف انك أصيل كهؤلاء الأصيلين .
نعم كهؤلاء الأصيلين الذين صنعوا التاريخ الفلسطيني في الداخل لم يدخروا جهدا في سبيل تحويل المسار التاريخي نصرة للحق الفلسطيني.. وهنا لا أريد أن أطيل في استعراض التاريخ ولا أريد أن أرهق الصفحة بهذا الاستعراض وأنا لست من محبي الاستعراضات لان تاريخهم – تاريخنا شاشة استعراض دائمة ومشرفة ..
في حديث (فيس بوكي) مع النائب محمد بركة وجدت نفسي مرغما أخلاقيا وسياسيا وبشغف أن أحييه على موقفه من وفد القيادة العربية الذي زار قطر وقال "الدفاع عن القدس ليس في الدوحة" انه تصريح بسيط لكنه كبير ومتشعب ويعبر عن موقف سياسي متميز إزاء ما يجري على مستوى أداء الأحزاب وعلى المستوى السياسي الشامل في العالم العربي .
يكفيني هذا الموقف مضافا الى مواقف سابقة لأقول نعم للجبهة ونعم للموقف الوطني الصادق .
ويكفيني وقفة الجبهة ضد المؤامرة على سوريا لأحني قامتي احتراما وأشحذ كل طاقاتي نصرة للجبهة.
فهكذا تصاغ المواقف في زمن كثر فيه المتفلسفون..
