* عكا مساءً*
هذا ميناء عكا القديم وفوق صفحته الزرقاء تستقر مراكب صيد واصحابها بترميم وتمتين شباكهم منشغلو ن، أنحن في صيدا العتيقة وخانها واقواس اسواقها قبالة الميناء مستريحون؟. كلا نحن في عكا صححني أبو اليسار؛ فقلت ادري؛ الم يقل اسلافنا "من شابه اخاه ما ظلم"، اني ارى الشقيق في اعين الشقيق فهل انا مخطئ يا صديق؟ لا لست مخطئًا بل لم يكتب لي ان ازور صيدا؛ رد أبو اليسار وقد اخذه الشوق، فقلت انظر في عيني سترى فيهما اهل صيدا، تحسب لهجتهم عكاوية اولعل لهجة اهل عكا صيداوية وطيب الموانئ والنفس تفوح معطرة بسيرة ابي الشهداء معروف سعد يوم انتفض للفقراء ضد ديوس باع البحر للاجانب واشعل مكرا فتنة احرقت اللبنانيين. ونجله مصطفى حامل الو صية قضى دون الامانة شهيدا بألام وسام جرح اراده الصهاينة له موتا فكان الله بعبده رحيما. آل سعد انتم حماة لكرامة اهل مخيم عين الحلو ة والمية مية وابناء المدينة من اللاجئين الفلسطينيين وقبلهم اهل صيدا الخيرين. اتعلم يا رفيقي ونور عيني؛ ان صيدا المدينة الاكثر احتضانا في لبنان وحبا للفلسطينيين. في السنوات العجاف وحروب الاشقاء البغيضة ازدادت صيدا حنانا واحتضانا للفلسطينين؛ يومها روج الماكرون نكتة مسمومة تقول "ان اللبنانيين اصبحوا كثرا في صيدا". كذب المهرجون، فصيدا لفظت بالامس الدخيل الزنديق ربيب الشيطان واسيره وعصابته اهل الشر بالفتن متجلببين وما هم الا بضلالة رعناء اعتادت الطعن في الظهر واطلاق الارجل للريح يوم جاء الحق؛ فاختفوا وكأنهم لم يكونوا الا كأبو سا مارقا فخاب فأل اصحابه في فل عزيمة المؤمنين.
هذه ساحة اللومان وذاك خان العمدان، والمقاهي والمطاعم تتربع المكان بالزوار مرحبين. توقفنا امام مجسم السمكة الكبيرة المطل على شاطئ حيفا وفي البعيد ترى العين الكرمل تاجا يزين رأس حيفا ويحرس ميناءها وساحة الخمرة وبقايا مسجد يتحدى مؤسسات دولة اتخذت من شاهق المباني مكاتب تسرق املاك (حاضر – غائب)؛ من أجلو ا عن ارضهم مكرهين. حيفا تحرس عكا مواسية والبحر الفاصل بينهما يعمد بمائه الاخوة الى ابد الابدين. تسلقت الجسد الضخم وجلست في حضن السمكة متمنيا لو تحملني وتقفز بي في الماء فتأخذني الى اهلى في جل البحر علني التقي في بيوت الفقراء اهل مخيم البرج الشمالي؛ فاعانق أبو احمد وأبو خليل واسلم على اهل عشيرتي الصابرين؛ واقرأ الفاتحة على روح الشيخ حمود ورشيد البيك ومن نبشت قبورهم في المعشوق من اسلافي. أبو اليسار يلتقط صورا للذكرى وربما متعة للمحبين المشتاقين.
الى اليمين جلست صبية رائقة البياض حسبتها سائحة من بلاد اليونان وشعر جميلاتها الاسود زاده لو ن الفحم لمعانا واغراء للناظرين. الصبية مشغولة عنا؛ لكن الاكيد انها تنظرنا ونحن كهلة مرحون غير ابهين الا بسرقة فرح واسترخاء حرمنا منه لسنين بل لعقود من زمن انقلبت فيه موازين العدل والعرب على خازوق الدونية والذل اقعدهم حكام الغفلة وعلى جادة الحضارة متسولون؛ والنفس ترفض الاستسلام متربصة بالرعاديد المستأسدين. هلا سألت يا ابا اليسار الصبية الطيبة ان تلتقط لنا معا صورة تحت هذه السمكة. تردد أبو اليسار دون مبرر ربما لأنه رأى الفتاة منهمكة في اوراقها وهي لا تنتمي بالتأكيد الى عالم الجهلة والاميين من ناصبوا القراءة العداء. الفتاة تنزل عن صخرتها وابتسامتها المسكونة بالفرح تدثرنا ويدها تمتد الى ابي اليسار لتتناول آلة التصوير. آه انت عربية؟ قالها رفيقي بلسان عذوبته تغري المستمع. نعم انا كذلك؟ من اين انت؟ انا عكاوية واهلي من كفر ياسيف. كفر ياسيف؟ انا من كفر ياسيف قال أبو اليسار. ابنة من تكونين؟ اسمي رشا حلوة. من يكون أبوك يا حلوة؟ جورج حلوة. أجورج أبو ك حقا؟ انه صديقي، انا قسطندي مرقس وهذا صديقي من الشمال ويعيش في بلاد الغربة... ضحكت وقلت مداعبا "جحا اينما حل وجد له اقارب" ... انتم اهل البلاد اقارب وحبايب وانا وحدي الغريب... قاطعني أبو اليسار وراح يقدمني للصبية بكلام احلم ان استحقه.
لا ادري لماذا تملكني شعور اننا اهل البلد وان جميع من نلتقيهم هم من السياح الاجانب او غرباء المستعمرين؛ الا اولئك سمر الجباه من تلهج ألسنتهم بعذوبة الضاد والقاف وايديهم شبه عارية لراحة ذراع وسهولة حركة كف وهي تخيط شباكا يتحف صيدها مشتهي السمك البلدي؛ سلطان ابراهيم واللقز. انهم عكاويون؛ اهلنا بالابتسامة الساطعة كانوا يقابلوننا ونحن نتحدث بلساننا بشكل حر وبلهجة شمالية لأهل فلسطين. هلا تكرمت يا رشا وسمحت لي بصورة معك؟ بلا تردد وابتسامة استعار رقتها وثقتها بحر عكا فانقلب هادئا صافيا يحرس السوق الشعبي يوم لقن اهله رجال الشرطة الملاعين درسا فحلفوا اليمين تائبين عن مطاردة الوطنيين والشيوعيين من اهل عكا وقبلهم لصولاتهم انحت جبهة نابليون قبل ان ينقلب الى زوجته لابسة رداء الو ساخة حسب أمره؛ ولكل غازٍ قرفه وشذوذه فلا تستغربوا انحراف نابليون في عشقه للنساء بلا استحمام ولا عطور وهو من اشعل نار الحروب وأشهر سيوف عدوانه على الآدميين في بلدانهم آمنين مسالمين. دنت رشا الو ادعة منا لتسكن القلب ابنة واختا لا يرق القلب الا لمثلها وهي من رمت شال كرمها وعطفها ليلفنا ويأخذنا الى نشوة حديث الصبا والاصدقاء الاولين؛ والبادئ بالحب اكرم؛ هكذا علمنا اهلنا ونعم الاهل اهل النخوة. استأذنّا رشا والى الغربي تركناها متجهين.
على الغربي مررنا بساحة عبود فلفتنا مطعم او ملتقى "بيت مها" وحكاية شابة عكاوية واولادها وبناتها لا فرق على الراحات حاملين احلامها بعد ان باغتها مرض عضال وهي في عز الحلم والعطاء. ليقفل ولا يزال يحلم عشاق الحياة بعودة حائكة خيوط حكايتها الى مضافتها جامع الاحبة للهدوء والراحة باحثين. توقفنا عند مقهى فلسطيني بانتظار صديق؛ طلبنا القهوة وأبو اليسار منشغل عني بالحديث الى صديق من سلالة الشيوعيين؛ منير عامر. توجهنا جنوبا رجوعا الى ساحة عبود والى يسارنا "بيت مها" مغلق حزين، بلغنا الفاخورة وعلى صدرها تنتصب المنارة اوالفنار كما يسميه اهل عكا. هناك فوق السور وفي مطعم يربطني بأهله حب دفين موشى بخيط حزن قديم في القلب يسكن؛ ويوقد وهج ناره حاضر الايام، من قال ان "الحب يموت" هو جاهل لم يدغدغ قلبه الحب بانامله؛ فالعشق وحده من شيم الانسان الرقيق.
* عكا صباحا؛
ليست عكا بمدينة تقليدية، هي مدينة المدن، كم من مدينة تحتضن مدنا سيكتشفها العلماء في قادم الايام. أخبرني أبو راية العارف بجذور فلسطين انه اكتشفت بالصدفة مؤخرا ممرات طويلة وقناطر ابنية تحت حي عكاوي قديم. هل عكا مثل السماء لها سبع طبقات؟ بناة المدينة الاولو ن واحفادهم المتتالو ن من اهل هذه الارض وحدهم يعلمون وهم أسرارهم معهم الى قبورهم حاملو ن. تجار عكا ليسوا كبحارتها، فهم الى قهوتهم في بيوتهم نهارهم يستفتحون؛ لا يقصدون اعمالهم ومحالهم يفتحون وتجارتهم يعرضون قبل التاسعة صباحا. الثلاثاء صباحا؛ توقفنا مستظلين بمدخل مصرف. اتعلم ان لبادرة (ام اليسار) صديقة تعمل في هذا البنك؟ اوصتني بادرة بزيارتها، قال أبو اليسار. لندخل ونسلم عليها، قلت. لكني لا اعرفها؟ هل تعرف اسمها الاول؟ لا؛ اسم عائلتها او كنيتها؟ كلا؛ هل تعرف شكلها اوملامحها؟ ايضا كلا. هل تعرف اين يقع مكتبها؟ والله لا اعرف، هل تعرف صديقة لها؟ يا ريت. اذا كنت لا تعرف شيئا عنها، فلماذا كل هذه السفسطة؟ أبرأ ذمتى أمام بادرة. يا سلام؛ من امتى صار عندك ذمة؟ هل اشتريتها من سوق عكا دون علمي؟ وليش ما بلغتني؟ اتخذت لنفسي مسافة الامان فابتعدت عنه قليلا وقلت؛ الصحيح انك تريدني ان اكون شاهد زور امام ام اليسار. قهقهنا ضاحكين ونحن نتذكر نهفة الحلوف الشبيهة بحكاية صباحنا.
وصل الصديق يوسف فاخوري وبصحبته شريكنا في الرحلة من صوفيا الى أبو سنان الشاب الاسمر رفيق العود يوئيل. ماذا نتناول طعام الافطار؟ سأل يوسف، طبعا فول وحمص قال يوئيل. في دكان مكنكن صغير يديره شاب وفتاة، كنا أوائل الزبائن الداخلين وعلى كراس وطاولات متواضعة جالسين. جاءتنا الصبية بالفطور؛ حمص وفول يصحبه الزيتون والخضار تتوسطها صحون المكابيس التي هي توأم للمدمس حمصا كان او فولا.
دخلنا السوق الشعبية المسقوفة وعدسات آلات تصوير العسس تتجسس بوقاحة على صابون زيت زيتون، وكل ما تحبه العين ويشتهيه القلب من لذيذ المأكولات العربية ينده غير آبه بالمتلصلصين وعلى نفسه ينادي سائلا ابتياعه وتحريره من اعين الحساد ومالك يبغضه وللتخلص منه بسعر معقول باله مشدوه. اهلا وسهلا تفضلو ا؛ عبارات تداعب الاذن عند باب كل دكان. اتحبون الكنافة؟ سأل يوئيل. الكنافة يحبها كل عربي والاجانب بقطرها مسحورون؛ اهذا سؤال يسأل يا يوئيل؟ رد أبو اليسار. كان لنا ما اردنا من كنافة تعشقها العين ويستطيبها اللسان، والمعدة تصرخ ارحموني ايها المفجوعون؛ الم تكتفوا بجبلة من الحمص والفول قبل قليل؟. "عند الاكول تضيع العقول" امر ينطبق على محدثكم الذي فاته ان يروي قصة لا تكتمل حكاية رجولة اهل السوق بدونها كونها ذخرا للأجيال من الفحول. قبل سنوات احتشد العكاويون للتظاهر على غطرسة اهل صهيون وكان الشيوعيون في مقدمة الصفوف. جاءتهم الشرطة والبوليس مطاردين ولهم تحضرت بكلبشات الاعتقال والسجن المهين. التجأ الشباب الى السوق بأهله اهل النخوة محتمين. على وقاحتهم، لم يحترم رجال الشرطة حرمة السوق واهله المسالمين الذين كانوا لهم في اعلى السقف متربصين منتظرين ليلقنوهم درسا حلفوا بعده اليمين الا يدخلو ا السوق متغطرسين معتدين.
عدنا الى الميناء حيث اصر يوسف ويوئيل على رحلة بحرية في زورق عكاوي. آه ما اجمل عكا من البحر؛ مدينة وادعة ملاذ للمؤمنين ربما كان هذا السبب في اعتقاد الغزاة مخطئين ان عكا واهلها صيد ثمين؛ بالسور وحصانته غير آبهين فكان ان رُدوا على اعقابهم خائبين. انت في عكا وان لا تزور بيتا عكاويا فهذا والله لأهل الاكرمين مهين. نقلنا يوسف بسيارته، في بيته، عش زواجه وابنته زهرة تزرع ببراءة خطاها نصلا في صدور من اقاموا قبالة بيتها مدرسة دينية ارواح اطفال ابرياء بعنصرية كريهة ينفها في صدورهم غلاة المستعمرين المتشددين. كريم تزوج من بلغارية رسامة من سلالة فنانين وجهها المبتسم دائما يبعث فيك الحنين الى شعب من الخيرين. كالعكاويين منتصف النهار انتهى يوم عملنا وأبو اليسار يسألني الى أين؟ اعتقد اننا اطللنا بما فيه الكفاية على ما كنا له نصبو ولأننا بكرم اهل عكا حافظون لنعد الى البيت. في البيت نمنا على غير عادتنا وكم كان جميلا ان نغلق العينين على جمال عكا بسورها وبحرها وسوقها ومسجد جزار الغزاة وسلالة اهلها اهل الشموخ ذاكرتنا مزينين.
(انتهى)
(باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)
