لجنة المتابعة العليا: من ترتيب البيت إلى معارك البقاء والمستقبل

single

التحدي الأكبر يبقى في كيفية العمل المشترك على أرض الواقع، والارتقاء من محاولات ليّ الذراع ولوك الذرائع إلى توحيد الصف النضالي في وجه السلطة. فهناك اليوم عدّة ملفات حارقة على جدول أعمال لجنة المتابعة، في مقدّمتها قضايا الأرض والمسكن وهدم البيوت العربية والملاحقات القضائية والمحاكمات، ناهيك عن تصعيد وقوننة سياسة التمييز العنصري في جميع مجالات الحياة، وجميعها معارك وجود وبقاء لا متسع فيها للتشرذم؛ إلى جانب ملف العنف والجريمة المستفحلة، الذي لا يقل خطورةً على جهوزيتنا الكفاحية وعلى مستقبلنا في وطننا الذي لا وطن لنا سواه

لن نبالغ إذا قلنا إنّ لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية حقّقت إنجازًا هامًا ومفصليًا في اجتماعها يوم السبت الفائت (9 كانون الثاني 2010)، حين أقرّت نظامها الداخلي (الدستور) بإجماع مختلف مركباتها الحزبية والتمثيلية، بعد 12 عامًا من فتح ملف إعادة تنظيم لجنة المتابعة عام 1998.
لقد اعتمد الدستور توصيات وقرارات المؤتمر العام للجماهير العربية في إسرائيل (مؤتمر المساواة – 1996 – الناصرة)، كمرجعية سياسية إستراتيجية للجنة المتابعة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام بعض التعديلات والتحديثات الضرورية. أما في الجانب التنظيمي فأرسى الدستور ولأول مرة قواعد وآليات عمل متفق عليها لهذه الهيئة التمثيلية الهامة التي كانت أقيمت بمبادرة من الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، ممثليْن بخالد الذكر توفيق زيّاد، بالتعاون الوثيق مع السيد إبراهيم نمر حسين الرئيس الأول للجنة المتابعة، قبل ربع قرن من الزمن.
صحيح أننا لم ندقق في التمثيل العددي للأطر المركبة للجنة التابعة ولا في تعريف الحزب السياسي الذي يشكّل مركبًا للجنة المتابعة، لأننا رجّحنا كفة وحدة نضال الجماهير العربية ومبدأ اتخاذ القرار في المتابعة بالتوافق أو على الأقل بغالبية الثلثين، وذلك من أجل التقدّم في هذا الملف وحسمه والتوصّل إلى منتوج نهائي يعكس أوسع قاعدة تمثل الجماهير العربية. مع العلم بأنّ لجنة المتابعة ليست تحالفًا سياسيًا، فلمثل هذه التحالفات استحقاقاتها ومقوّماتها السياسية والاجتماعية والأيديولوجية. لجنة المتابعة هي الالتئام الوطني حول قضايا الإجماع الوطني وهي إطار جامع لكافة الأطياف الفاعلة في مجتمعنا والملتزمة بحقوقه، بخلاف القضايا المختلف عليها والتي بدورها تجد متسعًا في فضاء التداول السياسي والتحالفات والتنافرات القائمة في ساحاتنا.
 
وباقتضاب شديد يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط الهامة في الدستور:
1. تثبيت مبدأ "الإجماع والتوافق"، مع إبقاء إمكانية اتخاذ قرارات بغالبية الثلثين إذا تعذّر الإجماع؛
2. تثبيت مبدأ التمثيل النسائي الذي ثابرت الجبهة على طرحه وكانت أول من نفّذه فعليًا في لجنة المتابعة منذ عدّة سنوات. وهذا إنجاز عيني هام في مسيرة مساواة المرأة وشراكتها الفعلية في الحياة السياسية والاجتماعية على مختلف المستويات؛
3. تثبيت تمثيل النقابات العمّالية والمهنية، إذ لا يمكن تغييب صوت العاملات والعاملين العرب عن الهيئة التمثيلية العليا لمجتمع ينتمي بمعظمه إلى الطبقة العاملة، إلى جانب تمثيل الأهل في النقب والمدن المختلطة وجمهور الطلاب الجامعيين وأولياء الأمور؛
4. تثبيت العلاقة الجدلية والإستراتيجية بين لجنة المتابعة واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، وكون الأخيرة حجر زاوية في الأولى، وآليتها التنفيذية الأساسية. وقد أكدنا دومًا أن هذه التوليفة بين الأحزاب والنواب، من جهة، ورؤساء السلطات المحلية من جهة أخرى، هي نقطة قوة لجنة المتابعة، لأنها تقيم التوازن بين هموم الناس اليومية-الحياتية والقومية-السياسية.


• ماذا بعد؟


منذ فتح هذا الملف طرحت الجبهة رؤيتها لثوابت العمل المشترك في لجنة المتابعة، بحيث تكون سقفًا وحدويًا للجميع على أساس قواسم الحد الأدنى المشتركة، وليست مظلة تجمع البعض على القاسم المشترك الأقصى وتتنافر مع البعض الآخر خارج القاسم المشترك الأدنى أو الأقصى. ويمكن القول إنّ النقاش التنظيمي قد حُسم على أساس هذه الثوابت، دون التورّط في مشاريع "برلمنة" لجنة المتابعة والمحاصصات الطائفية والإقليمية وغيرها من الاجتهادات التي نختلف معها مع احترامنا لدوافعها، والتي طفت على السطح في العقد الأخير.
وننطلق في رؤيتنا هذه من حقيقة أن الجماهير العربية هي جزء حي وواع ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني، وهي أيضًا جزء من المواطنين في دولة إسرائيل، وهما دائرتان ملازمتان لواقع جماهيرنا، لا يجوز لأي جسم مسؤول القفز عن أي منهما. وبالتالي فإن لجنة المتابعة، كآلية كفاحية إستراتيجية، ليست بديلاً عن العمل السياسي الشعبي والبرلماني والمحلي والنقابي والطلابي والمؤسساتي، وليست بديلاً عن التأثير والتغيير في الساحة السياسية في دولة إسرائيل.
إحدى ثمار الإضراب العام في الذكرى التاسعة ليوم القدس والأقصى (أكتوبر 2000) كانت تعزيز شرعية اللجنة أمام السلطة وتعزيز هيبتها أمام جماهيرنا، حيث فرضت لجنة المتابعة حضورها على المؤسسة الإسرائيلية. وكذلك الأمر اليوم بعد إقرار الدستور، والذي يجب من بعده الالتفات إلى القضايا الأكثر أهمية، وهناك قضايا كثيرة أكثر أهميةً ومصيريةً من أن تكون لجنة المتابعة "ناديًا" للحوار الداخلي.
وكما أكدنا دومًا، فإنّ التحدي الأكبر يبقى في كيفية العمل المشترك على أرض الواقع، والارتقاء من محاولات ليّ الذراع ولوك الذرائع إلى توحيد الصف النضالي في وجه السلطة. فهناك اليوم عدّة ملفات حارقة على جدول أعمال لجنة المتابعة، في مقدّمتها قضايا الأرض والمسكن وهدم البيوت العربية والملاحقات القضائية والمحاكمات، ناهيك عن تصعيد وقوننة سياسة التمييز العنصري في جميع مجالات الحياة، وجميعها معارك وجود وبقاء لا متسع فيها للتشرذم؛ إلى جانب ملف العنف والجريمة المستفحلة، الذي لا يقل خطورةً على جهوزيتنا الكفاحية وعلى مستقبلنا في وطننا الذي لا وطن لنا سواه.
الآن بالذات، وبعد هذا الشوط الهام الذي قطعناه في الانشغال بالذات، حان وقت لإطلاق العنان للعمل الميداني المشترك والمسؤول لحماية البقاء وبناء المستقبل وهذا هو امتحاننا جميعًا.

* رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي

قد يهمّكم أيضا..
featured

اطفال سورية يتجمدون حتى الموت.. والمليارات العربية "عوراء"!

featured

فلسفة الكلمة و فلسفة المكان

featured

الشعب السوري وحده يقرر مستقبله

featured

أهلا وسهلا بالصانع

featured

رافضة التّجنيد تَئير كَمينِر: الضّابط العسكري قال: لن تنتصري علينا، الجيش أقوى منكِ... لكن تهديده رفع معنويّاتي

featured

لا ينفع القفل ما دام الحرامي داخل الدار

featured

قوة التضامن الاممي مقابل هذا الادّعاء القومي والدّيني