فلسفة الكلمة و فلسفة المكان

single

انشغلت ذات زمان ومكان بالكلمة، بمسألة العلاقة الجدلية بين اللفظ والمعنى، فاكتشفت فيما اكتشفت أن تصويت اللفظ أحيانا يفيد المعنى مثل خرير المياه.. وحفيف أوراق الشجر وزقزقة العصافير.. وفحيح الأفعى وسُم العقرب (الإبرة)... كما في اللغة العربية كذلك في باقي لغات العالم. في الانجليزية مثلا كلمة بن (بالباء المخففة التي تخرج من بين الشفتين) ومعناها دبوس.. فإذا سقط دبوس على أرضية قاعة مغلقة (غير مفروشة بالسجّاد) نسمع صوت وقع الدبوس "بننن" (مع صدى) ورجع صدى كالشوكة الرنانة. في العربية كلمة "بيت" تفيد السكون والطمأنينة. سئل أعرابي ما معنى كلمة "صلب"؟- وعند العرب لهجات مختلفة-  فقال: لست ادري لكنني أشم فيها رائحة الصخر.
لذلك وعليه فلتصويت بعض الكلمات بعض مدلولات المعنى، وأن الإنسان بالمطلق يقتات من الطبيعة ليس الغذاء وحسب وإنما أيضا اللغة والموسيقى والرسم والتفكير وأسلوب التفكير. انه يفكر عادة بالكلمات التي اخترعها بحسب اختلاف بيئته جبلية كانت أم صحراوية أم ساحلية... كما يتأثر طبعه بالغذاء ونوعية الغذاء وبالطقس، طبعه هذا يؤثر على لغته وعلى كل ما هو مادي وكل ما هو معنوي بحسب اختلاف المكان والزمان.. فلغته وتفكيره وإيقاعه وموسيقاه تتطور بحسب هذا الاختلاف. فللبيئة فلسفة وللمكان فلسفة وللزمان فلسفة بموجب كل واحدة منها يكون نتاج المجتمع الإنساني وقوانينه وعاداته وتقاليده وأخلاقه.
إن فلسفة المكان تحكم أيضا نوعية بناء البيوت فطراز البناء يختلف من مكان لمكان ومن زمان لزمان. أسطح المنازل في المناطق الباردة تختلف عنها في الأماكن الحارة... العالم كله اليوم تقريبا يستعمل القرميد (الأجر) لكن طريقة تصفيفه في الصين تختلف عنها في أوروبا وفي الشرق الأوسط. تتساقط الثلوج في أوروبا مثلا أكثر بكثير مما عندنا لذلك نرى أن زوايا سطوح القرميد أكثر حدة.. فهي واقفة! كذلك  في سياق فلسفة المكان ليس صدفة أن تكون المحكمة المركزية ومحكمة الصلح ومحكمة العائلة في أعلى قمة من جبال الناصرة.. ليس صدفة أن ترى مبناها من جميع الجهات وليس صدفة أن تكون حجارتها من الصوان الصلب والبازلت. ليس صدفة أن يكون مبناها متماسكا وقويا لأنها تمثل القانون والعدالة العمياء، عدالة القوي على الضعيف. ليس صدفة أن يكون هذا المبنى واقعا على أراضي نتسيرت عليت التي تمت مصادرتها وتوسيعها على حساب مدينة الناصرة منذ 1955 وحتى يومنا هذا وعلى أساس سياسة الأمر الواقع المفروض بالقوة.
وهكذا إذا أنعمنا النظر في كل شيء نلاحظ أن وراءه فلسفة ومنطق معين... صباح الخير لمن ينعم ويمعن النظر، يلاحظ ويفكر ولديه القدرة على الرفض والممانعة و... المقاومة!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا تغتالوا الفرصة الداعمة لحقكم!!

featured

"حماة الديار" لخالد تركي إبداع في حفظ تاريخنا الغني

featured

دور إسرائيلي قذر في السودان

featured

صوت مصر الحرّ

featured

أصحاب الأرض الأصليين أولى بقسائم البناء في قراهم