أعلنت جبهة النصرة "الجهادية" السلفية اقامة هيئات قيادية "شرعية" في المناطق التي تسيطر عليها في سوريا، ولو حصرنا ودققنا في هذه المناطق لوجدناها تجمعات لا تتعدى القرية أو المدينة.. ومهما يكن من أمر فان مجرد الإعلان عن تشكيل هيئات محلية سلفية لإدارة شؤون البلاد لهو مؤشر واضح على طبيعة هذا البديل الذي يطرح نفسه في سوريا تحت عباءة الديمقراطية المزعومة.. فهذا البديل ليس ديمقراطيا وليس بامكانه أن يكون ديمقراطيا لأنه أصلا لا يؤمن بالديمقراطية بل هو يسعى لتعزيز الدكتاتورية المتقنعة بالدين والترويج لدولة الخلافة المزعومة حتى لو كلّف الأمر تدمير البلاد.
الشعب السوري وبكافة اطيافه لا يمكنه ان يحتمل حكما كالذي تفرضه جبهة النصرة ولا يمكنه ان يقبل بهذه البدائل المزيفة والتي لا تمت للديمقراطية او المدنية بصلة: وحتى لو ادعت هذه الجبهة بأنها تسعى لاقامة حكم ديمقراطي يحترم التعددية، الا ان جوهرها معروف فهي تمتهن الإرهاب الفكري والجسدي ولن تتورع لاحقا عن الانتقام من أبناء الشعب السوري والذي بطبيعته المدنية يختلف مع السلفية و"الجهادية" المزعومة.
المعارضة السورية الديمقراطية أيضا ترفض حكم هذه الجماعات لأنها ترى بأن سيطرة النصرة سيكون له مردود سلبي على المجتمع السوري وعلى قناعات البعض ممن أيدوا المعارضة سابقا، وهي ترى أي المعارضة، بان سيطرة جبهة النصرة سيقضي على مفهوم الإصلاح والتغيير الذي تنادي به وسيكون بوابة لتقسيم سوريا مستقبلا وسيدخل البلاد وبالتحديد جماعات المعارضة في قتال داخلي لا تحمد عقباه.
لا ننكر بأن اعلان النصرة عن تشكيل هيئات ادارية يضع النظام في مأزق معنوي على الأقل ويدخل المجتمع السوري في حالة من الإرباك والخوف من الآتي، وعليه يتطلب الإسراع في استحضار الحل السياسي قبل ان يتكاثر نموذج جبهة النصرة ويصبح لكل فئة من المعارضة منطقة تحكمها وتسيطر عليها لان ذلك يعني ضياع سوريا بين فئات المعارضة ومرتزقة الخارج، وسوريا ليست بحاجة للمزيد من الجروح والآلام التي يصنعها الخارج وعربان الخليج فهي بحاجة لعلاج آثار الجروح والخروج من مأزقها الحالي بأقل خسائر واقل دماء.
العالم برمّته يسعى للحوار بعد ان ثبت فشل الحل الأمني وثبت فشل التدخل الخارجي وبدل من ان تكون الدول العربية هي المبادرة للحل وإطفاء الحرائق، نراها تمسك بزمام المبادرة لتدمير سوريا وتخريبها بقرارها البائس والداعي الى تسليح المعارضة السورية ومنحها مقعد سوريا في الجامعة العربية التي عزلت نفسها بلعبها دور المنحاز لتخريب دولة عربية ذات شرعية وسيادة مناقضة بذلك ميثاق الجامعة... فالجامعة العربية تلعب دور التخريب كأداة لخدمة الغرب وخدمة دول ليست ذات قيمة سيادية في العالم العربي كقطر والسعودية اللتين تسعيان وتبذلان كل جهد لتدمير سوريا ومسح حضارتها التاريخية والإنسانية.. إن مثل هذا الدور المناط بالجامعة حوّلها الى هيئة هشة لا قيمة لها ولا تمثل الشعوب العربية وإرادتها لا من قريب ولا من بعيد.
كل وطني وعاقل يؤيد حرية الشعب السوري بجميع اطيافه ويدعم وينادي بالديمقراطية ليس فقط في سوريا بل في كل الدول العربية..لكن عندما تتحول بدعة الديمقراطية ذريعة لتدمير الأوطان العربية وتخريبها وتقسيمها.. فإنه يرفض رفضا قاطعا مثل هكذا ديمقراطيات التي تبنى على دماء الشعوب وأشلاء الأطفال والنساء..يرفض أن يشرعنوا القتل والتدمير تحت ذريعة الديمقراطية ونرفض انتهاك السيادة العربية وامتهان القتل بحجة الحرية والديمقراطية. فاليوم نرى نموذجا مصغرا للديمقراطية التي يريدها الغرب وأعوانهم بالمنطقة.. ديمقراطية محاكم التفتيش والجلد وتطبيق الشريعة السلفية ولا أقول الإسلامية.. الشريعة الجهادية السلفية التي لا تعرف من الحقوق سوى حق عبادة هذه الحركات وتقديسها وتأليهها.
فإذا دافعت عن الرئيس بشار الأسد فدفاعي لا ينبع من حبي للشخص أو لنظامه والذي بحاجة الى إصلاح جذري.. بل أدافع عن سوريا التي يرأسها بشار وعن كيانها ووجودها وبقائها.. أدافع عن تاريخها وحضارتها التي أصبحت مشاعا للمرتزقة القادمة من الخارج.. أدافع عن سوريا لأنها عوّدتنا على احتضان الألم والهم العربي وعلى رأسه الهم الفلسطيني.. أدافع عنها لأنها قالت لا للمشاريع (الصهيوامريكية) وقالت لا للمؤامرات الخارجية ولا لكل أعوان الغرب.. أدافع عنها لأنها تقف سدا منيعا في وجه الامبريالية وأهدافها وتؤمن بثقافة المقاومة.. هذه هي سوريا التي نريد ولا يمكن لأي كان اطلاق الاتهام بمحاباة الدكتاتورية ومعاداة الحرية.. فالحرية لن تأتي على دماء الشعوب ولا تبنى على جثث الأبرياء.
لم يسجل التاريخ ثورة تدمر البنى التحتية وتدمر هيكل المجتمع في حين تدعي بأنها جاءت لتحسين ظروف المجتمع والنهوض بهذه البنى.. ولم يسجل التاريخ في أي بلد ثورة تقودها مرتزقة قادمة من الخارج، فما شأن التونسي والشيشاني بحرية الشعب السوري وما شأن فرنسا وبريطانيا بالديمقراطية في سوريا؟ فعاطفة هذه الدول لا تقطر على حرية الشعب السوري والشعب في غنى عن ديمقراطية تبنى على حساب خراب بلاده وتهجيره من وطنه.
فلو كانت هذه الدول حريصة على حقن الدم السوري لأفسحت المجال أمام الحل السلمي المطروح عالميا ولأحجمت عن تسليح الجماعات المسلحة.. لكنها وفي كل يوم تكشف عن أهدافها الحقيقية وهي تدمير سوريا لغايات استراتيجية ولحسابات سياسية ذاتية.
سوريا التي نريد ليست سوريا التي تحكمها العصابات بمختلف ألقابها والآتية من الخارج وليست سوريا التي تدمر أمام أعيننا... بل نريد سوريا قوية شامخة بأبنائها.. نريد سوريا موحدة قائمة على العدالة الانسانية واحترام حقوق المواطن ولا اعتقد بأن العصابات قادرة او لديها القابلية على احترام حقوق المواطن، بل هي تسعى الى التسلط والحكم حتى ولو على الجثث والدم وهذا ما نراه ميدانيا وفي كل يوم.
