أكتوبر

single

أم الفحم. "تعلمت أننا طابور خامس وأنه يسهل دكّنا بالبنادق"

 

في صيف 98 بدأ ذلك، كنت أجلس في الصف وسط جلبة الطلاب العادية، وفي لحظة مشوشة تمامًا بدأت الجلبة تتسع، الآن هي ليست شقاوة طلابية مفرطة ولا غضبًا يُنزله علينا المدير كما يفعل الله بالساهين عن عبادته عندما يدب بهم شديد البرق والرعد، فيتوترون من غفلانهم عن تشخيص هذه الطبيعة الإلهية، أتكون استجابة لبكاء الاستسقاء أم توبيخًا! وهكذا كان، هذه الجلبة تأتي من جامع الحارة.. كلا بل من كل الجوامع، هذه الجلبة تأتي من كل صوب الآن، من الطلاب، من المعلمين، من البيوت المحيطة بالمدرسة.. هذه الجلبة تمتد أو تتمدد لأسمعها مرة أخرى، هي عينها، عندما أكبر قليلا وأصبح أقل ارتباكًا وأقل صدمةً، وأكثر حكمة بقليل.
عشر سنوات، كيف ذلك؟ كيف لكل هذه السنين أن تمرّ دون أن أنتبه الى أنها عشر!
لطالما أحببت أبناء جيل النكبة، ليس من باب التضامن أو الحزن على ما مسّهم من وجع، إنما على ما ادّخروه لي من معرفة، من ذاكرة. ولكني الآن في مأزق أمامهم، فعشر سنوات فقط ركلتني بعيدًا واحتالت عليّ! فأنا لا أذكر. قد أجوب طويلا في مفهوم ذلك، في معنى ان أذكر تفاصيل النكبة التي لم أشهدها بعيني أكثر مما قد أذكر من شيء خبرته عندما كنت قد كبرت قليلا واصبحت أقل غضاضةً وأقل سذاجة وأقل طفولة، وأكثر نضجًا بقليل. ولكنني سأحاسب نفسي بنفسي، فلا ضير بأن أعتصر العشر سنين رويدًا رويدًا كي أخرج بشهادة أقول هاكم ذاكرتي، وأطمئن بعدها إن وهنت عن التذكّر، فاللوح محفوظُ.

 

*عندما جاء الخبر*


كنّا نجلس أنا وصديقتي في بيتنا عندما جاء الخبر، شهيد. وفي اليوم التالي خرجنا جميعًا، حَشرنا انفسنا في شوارع ضيقة كي نشعر أننا واحد، أننا أُصبنا في العظم معًا، وأننا غاضبون وأرواحنا تغلي، وقفنا هناك، كنت ألبس قميصًا أبيض، وقفت مع جميع النساء على شرفة كبيرة تطل على ساحة الشهادة، ضجيج لا يتوقف التف حولنا، عويل وصراخ وتكبير. بدأت الجنازة، الشهيد يخرج من " ملعب الباطن" ملفوفًا ببطانة بنية، نحن نسير خلفه الرجال اولا ثم نحن، "الحريم". إنها مظاهرة، أَفهم ذلك بنفسي، إنها مظاهرة فنحن حانقون ومقهورون ولم نُرد أن نسكت فخرجنا للشارع لأن الشارع للناس، إنه عرس كذلك، فهذا هو العرس الذي لا ينتهي، في ساحة لا تنتهي، وبدأنا نزغرد ونهزج لأم الشهيد وأخت الشهيد وشعب الشهيد. ولكن في وسط الشارع ووسط الغضب المميت الذي تربّع بحلوق 40 ألف متظاهر، ربما أقل بقليل أو أكثر بكثير! لا أذكر، قالت لنا السيدات، أصمتن فأصواتكنّ عورة. وسط كل المشاعر الواحدة اتضح لي، أنا ابنة الحادية عشر، أن هناك شيئًا آخر قد يخيفني بعد اليوم. 
عدنا من الجنازة-المظاهرة وخيّم على البلد حزن قاتم، ما زلت أسمعه، قادم من الجامع يتلو علينا ألا نحسب الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، ولكني أسمع مع ذاك الصوت أصواتًا كثيرة، أكثر ضجيجًا، وأشد وقعًا، فها هو مدير المدرسة الذي لم يشأ أن يربي بنا الذكرى، لم يشأ أن يعلمنا ماذا يعني ما حدث. سنة واحدة بعد هبة أكتوبر، كان علينا أن نناضل أمام أنفسنا كي نلوّح بذاكرتنا على الملأ وكي لا نذعن "لوصفة" الاحتقان لحظة الصدمة فقط. فأنا أذكر أن ذلك بدأ عندما كنت اجلس في الصف، في يوم عادي تماما، وقامت الدنيا في لحظة واحدة مشوشة، كنت في الصف التاسع عندما أخبرنا الجامع أنه علينا أن نهب هبّة رجل واحد، لأن المدرسة الثانوية انتُهكت. فهببنا، ورأيت للمرة الأولى بعيني كيف نكون بنظر البنادق طابورًا خامسًا، وعندما أتت أم صديقتي بالخبر، وقالت: شهيد، لم أفهم أنني أختبر ذلك على جلدي، وانني أعيش هذا الحدث بنفسي أي أن يستشهد شخص ما من بلدك وان تحسّ بالتوتر من مجرد الفكرة، لم أُصدم في الواقع لأني كنت أعرفه، فقد تعلمت أننا طابور خامس وأنه يسهل دكّنا بالبنادق وخنق تلاميذنا بالغاز وتلطيخ مدارسنا بالدم، وإن كانت تدرّس المنهاج الإسرائيلي.. ولكنني اعتقدت ان ذلك هو النهاية، فنحن نهب هبّة الرجل الواحد عند اللزوم "ودمنا حامي" ولكل شاب من الثلاثة عشر اسمه، ونحن لا نغفر ولا ننسى. ولكنني صدمت بالأقسى من ذلك فالمدرسة التي فعل بها الجنود فعلتهم، لا تذكر، وأنه علينا نحن الطلبة أن نقاتل كي نحصل على الترخيص لزيارة الشهداء وذوي الشهداء.

**
سنة واحدة بعد أكتوبرنا الأول - لأن أكتوبر هذا له سمات فرحٍ عند شعوب أخرى- كنّا قد نسينا.
ولكني ما زلت أسمع صوت الهبّة تلك، أسمعها بصحبة أصوات أعتى، تأتي من كل حارات أم الفحم، رصاصٌ، رصاصٌ، رصاص يأكلنا واحدًا واحدًا، يقتلنا واحدًا واحدًا، ليس لأننا أقلية، ليس لأننا عرب، ليس لأننا مسلمون، ليس لأننا شيء سوى أننا نخطئ في إباحة الأشياء، فنعيب ما هو حق، ونسمح بالباطل.
عشرة أعوام على انتفاضتنا، وفي المدخل الغربي للمدينة تنتصب لافتةٌ توجّه السائقين الى المستوطنات المحيطة بنا، دون الإكتراث بكومة الباطون الرابضة على جبالنا الفحماوية الخضراء، عشرة أعوام وأهل البلدة القديمة في مدينة الديانات والمقدّسات والسلام وما تشاؤون من تسمياتٍ للقدس، يمارسون نهارهم العادي تماما في حين ينتهك المستوطنون عرض سلوان والشيخ جراح وما شئتم من أنحاء.
هذا هو أكتوبري الشخصي، هذا هو ما أذكره، علّنا نجد مستقبلا نكون قد تعلمنا به من كل شيء ماضٍ.
ويبقى أن نغني باسم اللاجئ " الله الله الله ع رام الله وعل البيرة وع إم الفحم... الله يبارك أهلي وناسي بحيفا وببيت لحم".

 


(أم الفحم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ما بين السجود والركوع

featured

الذكرى الـ17 للانتفاضة الثانية وهبة أكتوبر

featured

النزعة الحمائية، أسعار صرف العملة، والحرب

featured

مكانة التنظيم اللينيي وعلاقته بالنضالات الطبقية والوطنية والقومية

featured

قوانين تعزّز اليمين السياسي والاجتماعي!

featured

ليس بالعدوان الامبريالي وإنما بمقاومته يتحرر الشعب الليبي!

featured

"السفير العربي": مستمرّون