* "الشجاعة وعواقبها: حياتي كمحافظ وسط الصراع"، كارل روف، عن دار "ثريش اولد إيديشنز"، 2010 *
يقول "كارل روف"، كبير المستشارين السياسيين للرئيس الأميركي السابق بوش، ومهندس حملتيه الانتخابيتين الناجحتين، في مذكراته التي ضمنها كتابه الجديد "الشجاعة وعواقبها: حياتي كمحافظ وسط الصراع"، والذي نعرضه هنا، إن بوش لم يكن ليقوم بغزو العراق لو كان يعرف على وجه اليقين أن هذا البلد خال من أسلحة الدمار الشامل. ويرفض "روف" تلك الاتهامات التي تقول إن إدارة بوش تعمدت الكذب على المواطن الأميركي وعلى العالم كله بشأن وجود مثل تلك الأسلحة، لكنه يعترف أن الإخفاق في العثور على الأسلحة قد أصاب سمعة أميركا بضرر بالغ، ويلوم نفسه بشدة لأنه لم يتصد للروايات القائلة إن بوش كان كاذبًا بشأن وجود تلك الأسلحة.
ويقدم كتاب "روف" أوضح رواية حتى الآن حول رئاسة بوش، وهي في جوهرها عريضة دفاع غير اعتذارية عن بوش ورئاسته، يوجه من خلالها سهام نقده للديمقراطيين، ووسائل الإعلام، ويقول إن كل ما ادعوه على بوش هو محض كذب وافتراء.
ويكشف" روف" عن أنه عاش طفولة مضطربة وسط عائلة ممزقة بسبب الطلاق، كما يتحدث عن الأثر الكارثي الذي خلفه انتحار أمه في ظروف مأساوية على حياته.
ويأتي الكتاب ضمن سلسلة من الكتب ألفها أركان إدارة بوش، لكن من المؤكد أنه سيحظى بأهمية تفوق أهمية الكتب الأخرى، نظرًا لشهرة "روف" المدوية، كـ"مايسترو" سياسي تمكن من إطلاق حاكم تكساسي مغمور، لا تنبئ شخصيته عن أي موهبة سياسية، إلى رئاسة البيت الأبيض، ثم رعى مسيرته كرئيس من خلال إرشاده خلال تلك السنوات المضطربة التي شهدت هجمات الحادي عشر من سبتمبر المدوية، وحرب أفغانستان، ثم حرب العراق، فالكوارث الطبيعية التي ضربت إحداها أميركا بعنف غير مسبوق، ثم الركود الذي ضرب الاقتصاد في أواخر عهده. وهذا الدور إلى جانب بوش، جعل "روف" بطلا في نظر المحافظين، وشريرًا في نظر الديمقراطيين، لكن النظرة الموضوعية إليه تؤكد أن "روف" واحد من أهم المستشارين السياسيين للرؤساء الأميركيين في العصر الحديث .
وفي شهادته للتاريخ، يقول "روف" إن جلب الديمقراطية للعراق وتحويله إلى حصن ديمقراطي منيع في مواجهة مخاطر الإرهاب في المنطقة، شيء كان يبرر "إطاحة نظام صدام حسين"، لكنه يؤكد أن ذلك لم يكن السبب الحقيقي لغزو العراق، وأن السبب كان هو اشتباه الإدارة بامتلاك صدام حسين ترسانة من أسلحة الدمار الشامل تمكن من إخفائها عن أعين مفتشي الأمم المتحدة.
ويستبق "روف" القارئ بسؤال: هل معنى ذلك أن بوش كذب على الأمة الأميركية وقادها إلى حرب غير مبررة؟ ثم يجيب بأن بوش لم يكن كاذبًا بالقطع، لكن السبب وراء ذلك الاعتقاد واستمراره هو رد الفعل الضعيف من جانب الإدارة عليه. ويعد نفسه مسؤولا عن ذلك التقصير، ويصف ذلك الاتهام بأنه كان بمثابة "خنجر مسموم ظل مغروسًا في خاصرة الإدارة طيلة سنوات بوش في الحكم".
ويذكر "روف" أن من أخطر الاتهامات التي وجهت إليه خلال عمله مع بوش ذلك الاتهام الخاص بتسريب شخصية عميلة الاستخبارات المركزية الأميركية "فاليري بالمه"، التي كان زوجها، "جوزيف ويلسون"، من المنتقدين للإدارة. وهو يناقش بتفصيل وإسهاب التجربة التي مر بها كرجل مستهدف من قبل خصومه ومن قبل الإعلام الذي وجد فيه صيدًا سمينًا. ويقول إن تلك التهمة لو كانت قد ثبتت عليه لقضت على مستقبله السياسي برمته. كما يكشف أنه ذهب إلى مكتبه في البيت الأبيض وراح يبكي في صمت عندما سمع بتبرئة ساحته من تلك التهمة في نهاية المطاف.
ويكشف "روف" أيضًا أن "بوش" نفسه لم يكن متأكدًا بشأن موقفه في هذه القضية، وأنه استدعاه إلى مكتبه وسأله مباشرة عن حقيقة تورطه فيها، وأنه قال له إن كل ما هنالك هو أن الصحفي الشهير "بيتر نوفاك" قد أخبره بأن زوجة السيد "ويلسون" الذي كان يهاجم الإدارة باستمرار تعمل في الـ"سي. آي. إيه"، وأنه رد عليه بأنه يعرف هذه المعلومة. فاعتبر الصحفي ذلك الرد من جانبه كتأكيد للشكوك التي كانت متداولة بأنه هو الذي سرب شخصية العميلة.
ولا ينهي "روف" كتابه، دون أن يؤكد أنه رغم كل ما حدث، فإنه كان -ولا يزال- يدين بالولاء المطلق لشخص بوش، وأنه يحمل له توقيرًا خاصًا باعتباره رجلا "نجح في اختبار التاريخ" بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كما يقول إن عهده، وإن لم يخل من الأخطاء شأنه شأن كافة العهود السابقة، فإنه كان حافلا بالأعمال والإنجازات المهمة التي ستترك بصمة واضحة على التاريخ الأميركي برمته.
