مظاهرة في المنصورة ضد ممارسات الاخوان
*تلك الضباع التى لم تطلب الشهادة على أرض فلسطين أمام العدو الصهيونى، ولم تطلب الشهادة فى وجه طاغية حكم مصر، ولم تطلب الشهادة فى المواجهات الشهرية مع المجلس العسكرى.. تمخضت وطلبت الشهادة أمام معتصمين عزل*
العنوان أعلاه ليس من اختيارى أو ابتكارى، وإنما هو عنوان كتبه الصديق عبد المطلب زهران على صفحته على "فيسبوك" وهو يروى تفاصيل توغله وسط صفوف الإخوان المسلمين، فى عملية انتحارية بكل ما فى الكلمة من معانٍ، ليُحضِر لى سيارتى التى كنت قد تركتها أمام الاتحادية، على الرغم من علمى بقدوم جحافل الإخوان المسلمين علينا، لكننى كنت خالية الذهن، حسنة الظن، ولم يخطر ببالى أبدا، ولو للحظة، أن القادمين علينا يمكن أن يجول بخاطرهم اقتلاع الخيام كجيش يزيد، وضرب النساء، وسحل الشباب، وقتل إخوتهم من المصريين، فتركت السيارة وكلى ثقة أن الأمر لن يتعدى المناوشات الكلامية. بعد وقوع الفاجعة، قلت للزملاء إن سيارتى تقع تماما فى وسط صفوف الإخوان، فتَطوَّع عبد المطلب زهران بأن يحضرها لي، وها هى روايته التى كتبها على صفحته على "فيسبوك":
"بين صفوف المصريين الأعداء.. فى يوم 4 ديسمبر (غزوة الاتحادية) الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تطوعت بأن أذهب إلى أمام قصر الاتحادية (معسكر الأعداء) لإحضار سيارة إحدى الناشطات الثائرات المعروفة إعلاميًّا والتى كانت قد ركنتها وقت أن كان محيط القصر مكانا لاعتصام الثوار، وتركتها حين هاجم الإخوان مكان الاعتصام، وتَعذّر عليها الذهاب لإحضارها بسبب وجهها المعروف لهم، فتطوعت أن أذهب نظرًا لعدم شهرتى بالإضافة إلى أننى كثّ اللحية مثلهم فلن يكتشفوا أننى أحد أعدائهم، وفى طريقى إلى هناك بصحبة صديقي الثائر هشام العوامري الذى رفض أن يتركني أذهب وحيدًا. قطعنا الطريق من روكسى إلى محيط القصر فى أقل من عشر دقائق، رأيت ما اقشعرّ له بدنى حينما توغلت مخترقًا صفوفهم، نعم إنهم مصريون لطالما جلسنا سويًّا نقرأ القرآن فى المسجد بعد صلاة الفجر حينما كنت طفلًا! ما الذى تَغيَّر فينا حتى أسير بينهم مرتعدًا خائفًا؟ ما هذا الشعور الذى انتابني حين سمعتهم يرفعون أكُفّ الضراعة يطلبون نصرًا مؤزَّرًا علينا كنصر بدر؟ ما الذى دعاني إلى أن أُمعِن النظر فى وجوه مَن هم فى سن أبي فلا أرى إلا أنيابًا متحفزة لهتك عروقي ومص دمي؟! بعد كل هذه الأحاسيس المتناقضة عدت بالسيارة وأنا أشعر أننى أصبحت لاجئًا أسيرا فى شوارع مصر الجديدة خائفًا مرتعدًا، وتذكرت قول النبى (ص) (لَأن تُهدَم الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله من أن يُراق دم مسلم)، ومشهد من فيلم الناصر صلاح الدين حين ذهب ريتشارد قلب الأسد إلى صلاح الدين فى ليلة عيد الميلاد وقال له (فى طريقى إليك تعثرت قدم جوادى بجثث القتلى لم أستطع أن أفرق بين قتلانا وقتلاكم)، وقول مريد البرغوثي (لماذا كلما رأيت قتيلًا مسجًّى ظننته شخصًا يفكِّر؟)، وقول محمود درويش حين قال (هذه الأرض أصغر من دم أبنائها الواقفين على عتبات القيامة مثل القرابين، لا عدل فى صفحات الكتاب المقدَّس يكفي لكي يفرح الشهداء بحرِّية المشى فوق الغَمام)، وعدت إلى بيتي محمَّلًا بمزيج من الإحباط والخوف على حياتنا آمنين فى ما هو آتٍ، متسائلًا: أى دين هذا الذى يدينون ويجعلهم يستحلون دمي؟!".
انتهت شهادة عبد المطلب زهران وكلماته التى لم أغير فيها حرفا.
ولي دور فى الإدلاء بشهادتى على ما حدث فى ذلك اليوم الكارثى الأسود، الذى عمد فيه الضبعان إلى الانتظار حتى يخفت الحشد من أمام قصر الاتحادية، لينفردوا بإخوتهم فى الوطن، ناعقين على «جهاد فى سبيل الله» لم يؤدوه ضد الطاغية مبارك الذى ظلوا يعقدون الصفقات مع نظامه، وهو يحظرهم ويسجنهم، حتى قام ثلة من شباب «الكفرة» بالثورة عليه وإخراج "المجاهدين" من سجونهم الخمس نجوم. تلك الضباع التى لم تطلب الشهادة على أرض فلسطين أمام العدو الصهيونى، ولم تطلب الشهادة فى وجه طاغية حكم مصر، ولم تطلب الشهادة فى المواجهات الشهرية مع المجلس العسكرى، تمخضت وطلبت الشهادة أمام معتصمين عزل، ولم تواتهم الشجاعة أن ينقضُّوا على جمع كبير محتشد، وإنما هجموا على قلة، وما إن نادى منادٍ بمسيرات كبيرة إلى الاتحادية حتى هربوا مرتعدين كالزواحف الضئيلة الملوثة جلودها بمياه مواسير الصرف الصحي.
لم تنتهِ المعركة التى بدأها طرف جبان خائن، لكن تسجيل الشهادات واجب وطني، خصوصا مع تهديدات الضباع المتكررة بإعداد قوائم للاغتيالات، وأنا أتحرق شوقا إلى الشهادة الحقيقية، وأنتظر دورى فى قائمة الاغتيالات التى أوردوا فيها اسمي، لذا، وجب علىّ تسجيل الشهادات أولا بأول، لأن ماحدّش ضامن عمره. والله الموفق، والمستعان.
(ناشطة ثورية مصرية بارزة)
