أُنموذج مصر

single

*يُجيز الأمل بالوصول إلى بناء نظام جديد، ديمقراطي وعصري. وتحقيقُ هذا الهدف يُوجبُ على ثوريّي مصر، قديميهم ومستجديهم، أن يستمرّوا في ما بدأوه، وأن لا تفتنهم أي أوهام*

 

حال مصر ازداد اضطرابا. سقط رأسُ النظام ووريثُه وبعضُ مساعديه، وبقيت الأسس التي قام هذا النظام عليها. لم يستطع ناس النظام حمايةَ رئيسهم. ولم يستطع الحراك الشعبي ذو السمة الثورية إسقاط النظام. استمر الصراع واجتذب قوى متباينة الدوافع، فاشتدّ الاضطراب.
ما جرى في مصر، خلال العام المنقضي، يُجسّدُ أُنموذجا لما جرى في بلدان الربيع العربي، ويسحبُ آثاراً حاسمة التأثير على ما يجري في هذه البلدان ويؤشر إلى نتائجه.
    لهذا الاضطراب مصادرُ تتصل بطبائع القوى المنهمكة في الصراع على مستقبل مصر وبطبيعة نظامها، هذا الذي إن سقط رئيسه فإن معظم الأسس التي انبنى عليها لم يسقط حتى اللحظة.
    لدينا في ميدان الصراع أطرافٌ محلية، وأخرى إقليمية، وثالثة دولية. والمواقع تتداخل بين هذه الأطراف تداخلاً لم يسبق له مثيل. لدينا من الأطراف المحلية: قوى الحراك الشعبي العديدة التي دعت إلى بناء نظام عصري. ولدينا القوى التي تتزيّا بالزيّ الإسلامي، الإخوان المسلمون وغيرهم من السلفيين، والمحافظون من شتى الأصناف. ولدينا الجيش الذي يهيمن عليه شاغلو المناصب القيادية العليا فيه الممثَّلون بالمجلس العسكريّ الأعلى. ولدينا القوى المحيطة: إسرائيلُ، ودولُ الخليج، خصوصاً السعودية وقطر والكويت، والذين يتماثلون مع هؤلاء أو يتأثرون بهم في دنيا العرب. ولدينا من القوى الخارجية دولٌ عظمى تتصدرها الولايات المتحدة، ودولٌ عظيمة لا تحمل هذ ه الصفة، ودولٌ أقل عظمة، وإن لم تكن أقلّ شروراً.
    خليط وافر العدد، ومتعدّدُ المصالح، وهائل الإمكانات والنفوذ. أطرافٌ يتفق معظمها على الحيلولة بين الحراك الشعبي وبين بلوغ أهدافه الكاملة. يستنفر كلُّ طرف أقصى جهده وما يلزم من إمكانياته ليوجّه مصر في هدي مصالحه، ويتعجل إتمام المهمة، لأن مصير مصر بالذات سيرسم صورة مصائر البلدان الأخرى، وستتحدّدُ به صورةُ الشرق الأوسط الجديدة؛ فإما العصرنة التي إن ظفر دعاتها فستتحرّر مصر مما يعيق تطورها،وستنشأ ظروف أفضل لمواجهة السطوة الأميركية والإسرائيلية على دنيا العرب؛ وإما الرجوعُ إلى وراء، وتشديدُ هذه السطوة، وبناء شرقُ أوسط جديد موائم لمصالح مستغلّي الشعب المصري ومعيقي تطلعه إلى التطور.
    يقيناً، إن التدخل الهائل الذي تمارسه دول المحيط ودول الإمبريالية قادرٌ على التأثير في مجرى تطور مصر. لكن حسم النتيجة لن يأتي إلا على أيدي القوى المحلية، المتكيء من هذه القوى على التدخل الخارجي، والمناهض منها له.
    فما الذي تُظهره نظرةٌ معمقةٌ على قوى الداخل المصري.
* مجلس عسكري، هو ابن النظام الذي أُسقط رئيسُه. مجلس لم يمارس، بما هو هيئة، ولم يمارس أيُّ من أعضائه، السياسةَ، ولم تتوفر له أو لهم أي ّ خبرة في إدارة شؤون الدولة أو شؤون ناسها. هذا المجلس وهؤلاء الأعضاء ألقت أحداث كانون الثاني 2011 على عاتقهم المسؤوليات كلّها، عن الدولة وعن الناس. فليس غريباً، والحال هو هذا الحال، أن ينطلق المجلسُ من ولائه العتيق للنظام الذي أُسقط رئيسه، ومن ارتكانه إلى الأسس التي انبنى هذا النظام عليها. كما أنه ليس غريباً أن تتسم قرارات المجلس وتدابيره بالتعجل، والفوضى، وقلّة الخبرة، والتخبّط الذي يَسِمُها.
* إخوان مسلمون احترفوا منذ نشأة تنظيمهم قبل أربع وثمانين سنة الاتكاء على القوى الرجعية، بأمل أن يصلوا بهذا إلى السلطة. وهاهم الإخوان يعيدون الكرّة: المناورة بمُمالأة قوى الحراك الشعبي، والاتكاء عملياً على مرتكزات النظام الذي أُسقط رئيسه، على المجلس العسكري وقوى التدخل الخارجي، العربي والدولي، مقابل الظفر بحصة في السلطة يأملون أن يُكبّروها بمضّي الوقت.
* سلفيون آخرون لا يميزهم عن الإخوان المسلمين سوى إفراطهم في الاتكاء على القوى المعادية لعصرنة البلد، وكذلك إفراطهم في التشبّث بما تنسبه الرجعية إلى الإسلام من قشور السلوك المتزمت، وإغفالهم جواهر الأمور.
* جماعات الحراك الشعبي المثابرة على الدعوة لإقامةِ نظام علماني ديمقراطي تقدمي، والتطلع إلى بناء دولة القانون والتوزيعِ العادل للثروة، والمشتبكة مع الجميع. وهذه جماعات إن كانت شديدة الفعالية، كما هو شأن الجماعات الثورية الناشطة، فإنها أقل قوة وانتشاراً في المجتمع من أن تحسم الأمر لصالحها الآن.
فهل يمكن التنبؤ منذ الآن بنتائج الصراع المحتدم داخل أرض الكنانة؟ الإجابة بنعم لا يجرؤ على تقديمها إلا الذين يرسمُ التبجّحُ أو الرومانسية التي تُزين الواقع أو الرغبات إجاباتهم.
      شيء واحد يمكن البناء عليه: اضطرابُ حال مصر سيستمر، وما بدأ في كانون الثاني 2011 لن يتوقف إلى أن يُستكمل إنشاء الظرف الذي يُجيز الأمل بالوصول إلى بناء نظام جديد، ديمقراطي وعصري. وتحقيقُ هذا الهدف يُوجبُ على ثوريّي مصر، قديميهم ومستجديهم، أن يستمرّوا في ما بدأوه، وأن لا تفتنهم أي أوهام.
      والذين يبنون تنبؤاتهم على أساس أن الزمن تبدّل سنُقرّ لهم بواحدة: كانت قوى الثورات المضادة تحيك مؤامرات وتنفذها بطرق ملتوية. مع التبدل، صارت هذه القوى تعمل ضد الثورات جهاراً نهاراً، دون تَخفٍّ ودون حياء.

قد يهمّكم أيضا..
featured

من المريخ الى المريخ ومن الخرطوم الى الخرطوم!!!

featured

أوقفوا هدم البيوت العربية

featured

شر البليّة ما يضحك

featured

لو كان تمثال سلطان الأطرش نافورة مياه

featured

حين يبصبص الذيل بكلبه

featured

الى متى يلبط الانسان نعمته برجليه؟

featured

بعض العبر من الانتخابات الأمريكية