فتى الموقف المنعش

single

الناصرة. لا للخدمة العسكرية ولا المدنية!



*يا عمر زهر الدين سعد، يا هذا الفتى الذي أبى أن يستكين، وأشهر تمرده، وأفلح في عرض أسبابه، لك ولأقرانك احترام من تجاوز سنّ الفتوة قبل أن تولد أنت وربما قبل أن يولد أبوك، ولك الشكر، لأنك أهديتنا شيئاً منعشاً لمعنوياتنا في زمن كثرت فيه المحبِطات!*

 

 
وَضْعُ دروز فلسطين مثير للاهتمام؛ الوضع بوجهيه كليهما: ما فعله الإنتداب البريطاني ثم ما فعلته إسرائيل بهؤلاء، مما تظاهر الطرفان بأنهما يفعلانه لصالحهم؛ وما فعله الدروز لمقاومة أفاعيل بريطانيا وإسرائيل وفضح أهدافهما.
الحكاية، إذاً، طويلة، أطول من عمر الدولة التي أُعلن عن قيامها في العام 1948. وإذا استحضرنا الفصل من هذه الحكاية الذي جرى في عهد الانتداب، فسنقع على تطبيق أُنموذجي لمسلك الاستعماريين البريطانيين في المستعمرات؛ فرّق تسد! وهنا، في فلسطين بالذات، أضافت بريطانيا إلى أهداف هذا المسلك هدفاً متميزاً: كي تسود الصهيونية وتنشئ الوطن القومي الذي تقول إنه لليهود.
في هذا المسلك، بهدفه الأصلي والآخر المضاف، اجتهدت سلطات الإنتداب في دفع دروز فلسطين، وهم من كان عددهم أقلّ من أن يُشكل نسبة ملموسة بين أهل البلاد، إلى التعاون معها ضدّ الحركة الوطنية الفلسطينية الناهضة في وجه الاستعمار البريطاني والييشوف معاً، وحفزت هذه السلطات وجهاء الدروز آنذاك على مناوأة ملاك الأراضي الذين لم يعاملوا الفلاحين، وبضمنهم الدروز، معاملة كريمة.
لم تفعل بريطانيا هذا لأنها شاءت أن تناصر الكادحين المستغَلّين ضد مستغِلِّيهم الإقطاعيين، بل لأن الحالة، هذه التي أوجدتها بريطانيا في فلسطين، أنتجت وضعاً جعل هذا البلد مختلفاً عن البلاد الأخرى التي خضعت للاستعمار. فاقتران الإحتلال الإستعماري البريطاني بالمشروع الصهيوني، الذي يستهدف انتزاع فلسطين كلها من أيدي أصحابها، جعل طبقات الشعب الفلسطيني كلها مستهدفة ودفع مُلاك الأرض، صغارهم وكبارهم، إلى العمل للدفاع عن ما في حوزتهم. وصار كبار الملاك هم قادةَ العمل الوطني. كما صار صغار الملاك هم وقود الكفاح لمنع ضياع البلد.
وفي سعيها لإضعاف شوكة مُلاك الأرض ومن يتحالفون معهم، حاولت سلطات الإنتداب تأليب الأقليات ومنّت وجهاء هذه الأقليات شتى الأماني. وفي السياق، حرّضت بريطانيا وجهاء الدروز، واستغلت، بل أجّجت المشاعر الطائفية لحملهم على الارتكان إليها من أجل حمايتهم. وليس هناك شك في أن السلطات البريطانية فعلت هذا، كما فعلت كل شيء آخر في البلاد، بالتنسيق مع الصهيونيين.
إسرائيل، التي حكمها منذ قيامها هؤلاء الصهيونيون، واصلت ما بدأ منذ عهد الإنتداب، فتابعت تطبيق القاعدة الاستعمارية، فرق تسد. ولأن هذه الإسرائيل، بنهمها الذي لا مثيل له، تعجلت استكمال نهب أرض الفلسطينيين، وحتى مع تظاهرها بالتودد للدروز، فهي لم تستثن أملاك هؤلاء من النهب، وإن تفتت في ممارسة الختل لتزعم أنها وفّرت لهؤلاء معاملة متميزة. والحاصل أن سلطات إسرائيل ساوت الدروز بمواطنيهم الفلسطينيين الآخرين كلما تعلق الأمر بالاعتداء على حقوق أهل البلاد، وساوت الدروز باليهود إذا تعلق الأمر بالحاجة إلى جهودهم لدعم سياستها وتدابيرها العدوانية. وفي السياق، طبّقت سلطات إسرائيل قانون الخدمة العسكرية الإلزامية على الدروز، وأشهرت هذا بما هو دليل مساواة. وفي واقع الأمر، استهدف إلزام أبناء الدروز أداء الخدمة في جيش إسرائيل أهدافاً كلّها، كلّها بغير استثناء، شرير. من هنا، أظهر الوجه الآخر لوضع الدروز، الوجه المقاوم، اطّراد الدعوات في الوسط الدرزي كما في سواه من الأوساط الفلسطينية إلى رفض الخدمة في هذا الجيش العدواني. وكما كان عليه الأمر في عهد الانتداب، لمَ يجُز الختل الصهيوني إلا على المحتاجين إليه، أي على بعض الوجهاء الذين وفّرت سلطات إسرائيل لهم ترضيات، هي رشوات، مقابل جهدهم في خدمتها. أما الجمهرة الكبيرة، فمضت في طريق آخر، طريق كفاح جمهرة الفلسطينيين في إسرائيل من أجل المساواة الحقيقية والإنتصار لأبناء شعبهم في كفاحه المثابر ضد العدوان الإسرائيلي المتواصل.
الحكاية، التي أشير هنا إلى بعض فصولها، ذكرني بها كلها هذه الأيام فتى من قرية المغار لا أعرفه، ولم أعرف عنه إلا اسمه الذي نشرته الصحف وموقفه الذي عبّر هو عنه بلغة بسيطة في رسالة نشرتها الصحف أيضاً.
أتحدث عن الفتى عمر زهر الدين محمد سعد، وعن الرسالة التي وجهها ابن قرية المغار إلى رئيس حكومة إسرائيل ووزير جيشها. وقد جلا الفتى الفلسطيني، في هذه الرسالة، ما يعتمل في نفوس أقرانه تجاه سلطات إسرائيل وقانونها الذي يفرض على أبناء الدروز الخدمة العسكرية الإلزامية. وأعلن الفتى بفصيح العبارة أنه يرفض أن يخدم في جيش يعتدي على أبناء قومه الفلسطينيين وأقربائه وأصدقائه الكثيرين في دنيا العرب.
من فاتته قراءة هذه الرسالة لسبب أو آخر، فقد فاته شيء هام. فالمحاولات الجارية منذ ما كاد يبلغ قرنا من الزمان لتمييز الدروز عن أبناء قومهم العرب لم تُحدث التأثير الذي توخاه من قاموا بهذه المحاولات. الفرنسيون في سورية واجهوا فشلاً مبكراً حين أطلق الدروز أنفسهم أكبر ثورات سورية الوطنية ضد الاحتلال الفرنسي. الإنجليز، ومعهم الفرنسيون ولاحقاً الأميركان، فشلوا في جعل دروز لبنان مطيّةً لسياستهم الإمبريالية. وها هم في إسرائيل يواجهون سخط أبناء الدروز ورفضهم التأثر بالختل الذي مارسته سلطات إسرائيل.
فيا عمر زهر الدين، يا هذا الفتى الذي أبى أن يستكين، وأشهر تمرده، وأفلح في عرض أسبابه، لك ولأقرانك احترام من تجاوز سنّ الفتوة قبل أن تولد أنت وربما قبل أن يولد أبوك، ولك الشكر، لأنك أهديتنا شيئاً منعشاً لمعنوياتنا في زمن كثرت فيه المحبِطات!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الولايات المتحدة تغامر وتقامر بمصير العالم !

featured

سيبقى آذار 76 أيقونة غالية تزدان بها صدور كل المخلصين

featured

"هولوكست" غزة

featured

صوت جديد يتّهم المؤسسة

featured

"الديمقراطية" اللبنانيّة بين القيل والقال

featured

المؤتمر 10 لحركة النهضة: ماذا وراء الأكمة؟

featured

نتنياهو يهرب للإنتخابات