مر من عمر آذار عام 76 ومن عمرنا نحن الجيل الذي عاصرناه وبدأناه وعشنا به وعاش فينا حتى الآن 40 عاما مضت وكأننا نعيش أحداثه اليوم او ما بعده هذا هو شعورنا نحن من اللذين عشناه ومارسناه على جلودنا وعلى دمنا ولحمنا، رغم كل الجراح والآهات والخسائر البشرية التي لحقت بنا جميعا من أبناء مدننا وقرانا ومنها سقوط الشهداء البررة، الذين قضوا على أيدي القوى الغاشمة التي جاءت ودخلت قرانا ومدننا مدججة بكل أدوات القتل والقمع والاعتقالات التعسفية تخويفا وإرهابا لأبناء شعبنا كله.
لقد لوحق شبابنا بكل الأماكن للاعتداء عليهم لا لسبب إلا لسبب واحد وهو لوقوفهم وتصديهم لقوانين مصادرة أراضيهم ارض الآباء والأجداد الذين تربوا على حبها. وقوانين المصادرة هي موقعة وموافق عليها من قبل الحكومة، ونتيجة هذا الموقف المعارض من قبل معظم الجماهير في قرانا قامت ما يسمى بقوى الأمن بالاعتداءات الوحشية على الجماهير المتظاهرة سلميا وأوقعت عشرات الجرحى والمصابين زد على ذلك الاعتقالات بالجملة بالإضافة للخسائر الكبيرة جدا التي كانت تسببها أو احدثتها القوى الغاشمة دون أي تمييز يذكر، بمعنى انه حتى المسنون كانوا يتعرضون للضرب والاهانات ويعتقلون والنساء ضربن وتم اعتقال العديد منهن على أيدي هؤلاء البرابرة، جاءوا (ليؤدبونا ويلقنونا درسا او دروسا) حسب اعتقادهم آنذاك ولكنهم فشلوا بإرادة وتصميم هذا الشعب الذي صمم بكل قوة الدفاع عن أرضه وعرضه وحتى تقديم الشهداء وذلك بفضل القيادة الشجاعة والحكيمة .
لكنهم فشلوا فشلا ذريعا رغم كل ما استعملوه من جبروت القوة العسكرية التي دخلت قرانا من اجل تحطيم إرادة ومعنوية هذا الشعب الأصيل في هبته الجبارة في حينه، وقد كانت وقفة جماهيرية وسدا قويا منيعا في وجه سياسة السلب والنهب والمصادرة الممنهجة منذ قيام الدولة وهم ما زالوا على هذا النهج وحتى الآن.
وإنني أقولها بكل صراحة وافتخار ان جيلنا وقادة شعبنا الذين صنعوا يوم الأرض كنا فخورين وما زلنا على ذلك الشعور بالفخر والاعتزاز، وبنفوس عالية وبهامات مرفوعة شامخة بالقرارات الحكيمة التي اتخذت من قبل لجنة الدفاع عن الأرض، ويعد هذا القرار بالقرار التاريخي في حياة شعب بأسره.
إن إعلان الـ 30 من آذار عام 76 من قبل لجنة الدفاع عن الأرض كان بمثابة إضراب شامل للعرب عامة، وقد تحقق هذا القرار واستجابت له معظم جماهيرنا العربية، ان هذا القرار يعود بفضل الوعي الوطني والشعور بالانتماء للأرض والوطن من قبل كافة المكونات الاجتماعية في وسطنا العربي وخاصة قيادته في ذلك الوقت. وهنا وجب التذكير انه رغم كل المحاولات التي قام بها بعض رؤساء المجالس المحلية الذين كانوا مرتبطين بمشيئة سياسة الحكومة وبالأحزاب الصهيونية الحاكمة آنذاك وعلى رأسهم حزب المعراخ سابقا الصهيوني اليوم. وانا لا أريد أن اذكر أسماء هؤلاء الرؤساء احتراما لذويهم وأقاربهم لان قسما من هؤلاء الرؤساء قد رحلوا عن هذه الدنيا ولكن ذاكرة الناس واسعة ولم تنس تلك المواقف لهؤلاء الرؤساء. وأقول ما قاله من سبقونا على هذه الطريق وبمثل هكذا مواقف وهكذا ظروف رحم الله امرأ عرف قدره ووقف عند حده .
ومن هنا وبهذه المناسبة الوطنية النضالية الغالية على قلوبنا جميعا ابعث بخالص ترحمي على روح القائد الشيوعي الأصيل توفيق زياد ومن رافقه ومن وقف معه في نفس الخندق فلهم جميعا، ابعث بخالص تحياتي لمن بقي منهم على قيد الحياة وأرجو لهم عمرا مديدا ومن قضوا لهم الرحمة.
هؤلاء الأصدقاء استطاعوا بصمودهم الرائع التغلب على كل مقترحات أو كل المؤامرات التي حيكت والتي كانت ترمي إلى إفشال قرار الإضراب في الـ30 من آذار عام 76، ومن هنا وبهذه الذكرى الحبيبة العزيزة على قلب كل إنسان كريم مخلص ليوم الأرض الأربعين الخالد أقول بكل عزة وفخار لهؤلاء القادة الذين ابدوا قدرة وجدارة وشجاعة على اتخاذ القرار المناسب في الزمان المناسب .
أقول لكم أيها الأصدقاء الأعزاء الذين واصلتم الطريق الطويلة مع توفيق زياد ورفاقه الذين بقوا على قيد الحياة والذين قضوا، ستبقى أرواحكم جميعا محفوظة راسخة مترسخة إلى ابد الآبدين في وجدان وقلوب كل أحرار العالم والفلسطينيين خاصة .
أترحم على شهدائنا الستة الابرار الذين قضوا تضحية بدمائهم وأرواحهم دفاعا عن الأرض والعرض، وانه بفضل تضحياتهم وبفضل دمائهم الطاهرة الزكية التي ارتوت الارض بعطرها الفواح بقينا نحن هنا نزرع ونفلح هذه الارض الطيبة متجذرين بها عمق جبال المل والبطوف، حيث بقيت هذه الجبال راسخة مترسخة شامخة الى السماء.
(دير حنا)