في كتاب " القلم والسّيف " وهو مجموعة حوارات هامّة وغنيّة أجراها المثقف الأمريكي دافيد بارساميان مع المفكر الفلسطيني الكبير بروفيسور ادوارد سعيد يقول سعيد: " إنّ هناك بضع كلمات عربيّة قد دخلت اللغة الانكليزيّة في القرن العشرين " وهذا ليس جديداً على أيّة لغة من اللغات لأن اللغة تُغني رصيدها وثروتها مما تكتسبه من اللغات الحيّة الأخرى.
استفادت لغتنا العربيّة منذ العصر الجاهليّ حتى اليوم من اللغات الأخرى بتأثير التجارة والفتوحات والترجمات والاختلاط بشعوب العالم ففي لغتنا العربيّة كلمات كثيرة من أصول غير عربيّة مثل الآراميّة والفارسيّة واليونانيّة والرومانيّة والهنديّة والفرعونيّة والأمهريّة والتركيّة والفرنسيّة والانكليزيّة كما أنّ اللغات الأخرى مثل الاسبانيّة والتركيّة والانكليزيّة والفرنسيّة والايطاليّة والفارسيّة والعبريّة استفادت مئات الكلمات من اللغة العربيّة. واعتقد أنّ العصر الذهبي للحضارة العربيّة رفد اللغات الأوروبية، بمئات الكلمات العربية نتيجة ازدهار العلوم مثل الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والجغرافيا والكيمياء وغيرها في مدن كانت منارات علميّة وحضاريّة يؤمّها طلبة العلم والمعرفة من المشرق ومن المغرب مثل بغداد وحلب والقاهرة وغرناطة، وصارت هذه الكلمات سفيرة اللغة العربيّة والأمة العربيّة إلى الشعوب الأوروبية مثل كلمة "ألجبر" وكلمة " الصفر" على سبيل المثال فهل يوجد إنسان على وجه البسيطة لا يعرف الصفر ولم يدرس علم الجبر أو لم يسمع به ؟ كما أخذنا كلمات من اللغتين الفارسيّة والهنديّة وغيرهما وعرّبناها ثم صدّرناها إلى الشعوب الأخرى مثل كلمة " صابون " وكلمة " سُكّر " فلولانا ما عرف الغرب حلاوة السكّر وما عرف الصابون والنظافة وعندئذ قد نتخيّل أجسادهم وملابسهم وبيوتهم بدون رائحة الصابون ورغوته.
يؤكد ادوارد سعيد " إن هناك بضع كلمات عربيّة " وهذا يدل على مساهمتنا القليلة في الحضارة الإنسانية في هذا القرن، ويذكر أربع كلمات عربيّة هي " انتفاضة " و " جهاد " و " حريم " و " شيخ ".
وعلى الرغم من بّعدي الفكري عن الشوفينية ومعاداتي لها فقد شعرت بالعزّة لأنّ شعبنا العربيّ الفلسطينيّ الصغير الذي لا يملك مناجم ذهب أو فحم أو ماس ولا آبار نفط ولا حقول غاز ولا غير ذلك من كنوز الطبيعة، استطاع بعرق أبنائه وبناته ودمهم أن يُدْخل إلى لغات العالم كلمة "انتفاضة" وهي كلمة ايجابية كما تعلمون وتعني ثورة شعبية ضد الاحتلال.
انتشرت كلمة " انتفاضة " في العالم منذ نهاية الثمانينات وتبنّتها شعوب عديدة ففي أيام الثورة المخملية، كان الناس في براغ يرتدون قمصان " تي شيرت " مكتوب عليها كلمة " انتفاضة " كما أن شعب جنوب أفريقيا أدخلها إلى قاموسه في محاربته للأبرتهايد.
كلمة " انتفاضة " هي سفيرة الشعب الفلسطيني إلى العالم وإلى الثورات الشعبيّة في آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينيّة وأما كلمة " حريم " و " شيخ " فهما سفيرا الملوك العرب والحكام العرب والمشايخ العرب الذين يملكون النفط والغاز وأسواق المال وشركات الطيران وشركات السفن وشركات التجارة والأبراج العالية والفنادق والكازينوهات والبارات والعاهرات والمنتجعات والملياردات من العملات الصعبة.
" انتفاضة " هي سفيرتنا إلى العالم وصورتنا أمامه.
و " حريم " و " شيخ " سفيرا هؤلاء وصورتهم !!
