كنت صغيرة:
الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل (عرفت ذلك لاحقا) المكان غرفتي، وأنا استيقظت على أصوات غريبة بلغة لا أفهمها لكنني أميزها، نظرت على يساري أمي تضمني وتحضن أخي الذي يكبرني بسنتين وهي تحاول جاهدة وضع الصور (البوسترز) المعلقة فوق سريرينا لتخفيهم من تحت فراشنا، تنبهت لاستيقاظي فطلبت مني الخلود للنوم، لم آبه بطلبها استرقت السمع لأخي الأكبر يحاور بحدة عدة أصوات في غرفته المضيئة حيث ضوءها يلقي بظلاله على غرفتنا، تعبت وعدت للنوم، أيقظتني يد أخي الذي يكبرني بسنتين لأتنبه أن الضوء قد عم غرفتنا نظرت للحائط العاري، عادي، فأنا شاهدت أمي وهي تفرغه من البوسترز، ومن ثم بدأت بالتجوال في أرجاء منزلي، فراغه صارخ بكل جزء، بدْءا من خريطة فلسطين الكبيرة التي تتوسط الممر قبالة غرفة اخوتي المضاءة حينها، الى مكتبة أخي الآخر الفارغة من أي كتاب بعد أن كانت تغص بل تنفجر من كثرتها والى الكنبة المقلوبة مخداتها في غرفة الاستقبال، لم أفهم ماذا جرى؟ هل أمي تحاول اعادة ترتيب المنزل بهذه الساعة المتأخرة؟! لا أذكر كثيرا الا أنني أذكر وجه وصوت أخي الصغير حينها الباكي قائلا: أمي لقد أمسكوا بشادي.
كم ضحكت على نفسي كلما قرأت أو سجلت تقريرا لعمليات الاعتقال الهمجية وأنا أقارنها بتلك الصدمة، "التراوما" الطفولية التي أحملها في أعماقي.
حريتها كانت فرحة لا توصف بالنسبة لي، لقائي بها بدون قيود تقيدها، ودون حواجز زجاجية تافهة.
كانت نبوءة حققت نفسها، اذ قبلها بعدة أشهر قد قرروا التضييق علي خلال لقائي بها بشبه الغرفة تلك، فأمروني أن أكون أنا التي تجلس خلف الزجاج والباب الموصد، ابتسمت لأني أعرف السبب لتلك الكيدية، أنني أمهلت ولم أهمل، تجرعت علقم مواقف بعض من يحتسبون على مهنة لها حدها الأدنى من أخلاقياتها لكنهم انتهكوا حرماتها بدون حسيب ولا رقيب، تنبهت أنني لا أقوى على فعل شيء بصددهم. لا نقابة محامين تابعة لدولة الاحتلال ستأبه بخروقاتهم تلك، ولن يقوى طرف على محاسبتهم على خروقاتهم الفاضحة تلك، كما أن من يرسلونهم أنا لا أعرفهم وهم لا يعرفونني كي أخاطبهم بشكل مباشر.
- عصفوران بحجر
احترت بالأمر كثيرا لكني صبرت وانتظرت الفرصة السانحة لذلك، وتنبهت انه بيدي جوهرة وعلى المثل القائل "عصفورين بحجر". كنت هناك أزورها بذاك المكان الرمادي عندما سمعت بصخبهما وضحكاتهن مع سجانين من المفروض أنهن يمثلن الأسرى أمامهن أي هم الطرف الآخر، يعني من واجبات الحد الأدنى للمهنة التعامل الموضوعي والمهني والمهذب واجب لكن ما عدا ذلك فهو يضر بصورتها وهيبتها.
عندما عرفن أنني أنا التي جالسة معها بشبه الغرفة تلك، كمن أصابه مس من الجنون، فلم تمر ثانية الا واقتحمن الغرفة وسألنها متجاهلات وجودي تماما، متى ستنهي معي وأنهن قد اشتقن لها وما الى ذلك من كلام كمن أمسكتهن بموضع حساس.
عندها تنبهت أن الجالسة أمامي هي مهمة لمن يقومون بارسالهن، وهي أيضا محط أنظار العديد من الأسرى في الكثير من السجون، وما يحصل معها وأخبارها تتناقل بأسرع من البرق. استوعبت ما علي فعله، علي أن أكون أنا، أمارس مهنتي بكل شفافية ووضوح لاعطاء صورة كيف الأمور من المفروض أن تسير فعلا، باختصار السير على المثل الصيني القائل بدلا من أن تلعن الظلام أضئ شمعة.
شمعتي وبكل تواضع قد أضاءت وقد حرقت (مجازيا طبعا) من أردت.
استهزأت بتلك "العقوبة" لأنها ان دلت فتدل على سخافة وتفاهتهم جميعا في نظر بعضهم البعض.
انتابني شعور قوي أن تحررها قريب لذا لم آبه لمنعهم لي أن أصافحها، جلست على الكرسي مبتسمة وأما هي كالعاصفة دخلت غاضبة وصبت جزءا منه علي أنني صامتة على هذا الوضع وسألتني اذا ما سأقدم شكوى أجبت بالنفي، أغضبها جوابي، لكن نشوتي كانت أكبر من أن تمكنني من أن أفصح لها عن سببها، خاصة أننا في مكعب يجلس فيه أشخاص آخرون غيرنا حتى بدون وجودهم.
عندما رأيتها أول مرة بحريتها نظرت أولا لقدميها لأتأكد أن القيد قد زال أخيرا ومن ثم حضنتها بقوة، كنت من البداية على يقين أن اللحظة ستحين.
كنت في يومي الثاني أو زيارتي الثالثة لسجن بحياتي، التقيت بامرأة استهزأت بي استهزاءً عظيما واستخفافها وصل الى حد أنها قطعت الزيارة في وسطها وطلبت مني أن لا أطلبها مرة أخرى.
طبعا لاحقا ندمت على ذلك وأرسلت بطلبات شفوية عديدة عن طريق أخريات طالبة مني طلبها وعندما طلبت زيارتها أحضرت معها صور أطفالها لأراهم، ولدى تحررها بصفقة اتصلت بي وشكرت مجهودي معهن ومعها بشكل خاص في موضوع معين.
المهم أنه بخروجها بقيت أسيرة أخرى طلبت مني تقديم طلب نقلها لآمنة، ذلك كان قبل أن أعرف الرابط بينها وبين ما سمعته عنها. قمت بذلك وفعلا تم نقلها بعد أن علمت من هي آمنة.
وعندما توجهت لي عدة أسيرات بطلب النقل قدمت طلبا جماعيا لهن جميعا، كنت في سفر الى خارج البلاد وعلى الحدود تلقيت اتصالين مهمين، اتصالا ردا على الطلب الجماعي ذاك، وأما الآخر فتلقيته بالفندق عن تحرر أسيرة مثلتها أمام لجنة، شاكرة اياي على تحررها الفوري عكس المعهود وتوجه زوجها باقتراح أن يدفع أتعابي لكني رفضت اذ أنني مثلتها ضمن اطار معين الأمر الذي ينافي أخلاقيات المهنة اذا ما أخذت أتعابا مضاعفة.
الرد الشفوي (الاتصال الأول) وكذلك المكتوب كان جدا موفقا في موضوع التنقلات لكن الفعل على الأرض كان عكس ذلك تماما على مقولته " لا يمكنك الاعتماد على كلمة...".
خلال لقائنا الشهري بالاخصائي النفسي الذي عرّفني على آمنة منى وربط الاسم بمن سمعت عنها، تطرقت زميلتي الى موضوع سخط عزيزتي، ومجموعتها التي أقدرها وبودي لقاءهن قريبا، مني ومن تصرفاتي "المشبوهة" والتي واضح من مدلولاتها أنني "واصلة لفوق"... غضبت وكرهت نفسي أنني لم أصغ لتلك النصيحة المجانية، لمَ كان علي اقحام نفسي بأمر واضح أنهم يعدون العدة له. عصبيتي طالتها وطالت من معها لكنني تركزت بتلك القاصر التي حشرت بعزل لا انساني فقط لرغبتها بالانضمام لمجموعتها وما زادها ذلك الا تصميما بحسب ما قالته لي خلال عزلها الذي فيه تتحدث السجانات عن أساطير وقوة المناضلة، رباطة جأش خرافية. سألتها بعد موافقتها، فأقرت ببعض ونفت آخر.
كذلك الأخرى مرت بذات التجربة وذات القصص الخرافية حدثتني عنها.
- هوس المعرفة
في أحد لقاءاتي الأولى بها اهتممت أن أعرض أمامها الأوراق التي أرسلوها لي لتوكيد على أنني تصرفت بشفافية وكما يليق لا كما اتهمني به الآخرون وهي قامت بتصديقهم رغما أنهم حاولوا ذلك معي وأنا لم أصدقهم. خلال حديثي وعرضي للرسائل تنبهت لسخافتي وضحالتي التي لا تخلو من أنانية، أنا هنا أمام انسانة تقبع في السجن ما يزيد عن عشر سنوات متواصلة ناهيك عن عزل وتعذيب وتنكيل ومحاولات اغتيال الخ وأنا أطلب منها أن "تعتذر" مني على فكرة خطرت ببالها وببال من حولها! توقفت وفهمت أنه عليّ تعلم الكثير.
عدت للقراءة. قراءة عنها وعن من حولها عن الأسر عن حالات التعذيب راجعت مواد تعلمتها خلال دراستي لعلم النفس بالجامعة، حاولت أن أفهم وأستوعب أكثر. من قابلته بعدها كان انطباعه أنني قد ذقت الأسر من قبل فكيف لي بكل تلك التفاصيل، احترت اذا ما تحول شغفي للفهم الى هوس، كلي أمل أن لا.
هوس المعرفة أوقعني في مطب خطير بنظري، لقائي بها بمحض ارادتها كنت قد أعددت العدة وحضرت نفسي نفسيا، لكن على ما يبدو أن تحضيراتي تلك كان مبالغا بها الأمر الذي أثار حفيظتها الشكاكة بعد كل ما مرت به. تعجبت من كل شيء من صبري على تقلبات مزاجيتها، على تحملي لكل شيء ومحاولاتي الدؤوبة للوقوف الى جانبها حتى عندما كانت تدفعني مجازيا وفعليا عنها وتطلب أن أبتعد عنها وتصب جام غضبها ومشاعرها السلبية التي هي نتاج هائل من مصنع تعذيبي سادي لا يمكن تصوره.
فهمت أن تعاملي ذاك غير المتوقع نهائيا يثير المشاعر السلبية بدلا من تخفيفها، ويؤجج سخطها، لذا تراجعت وحاولت أن أتعامل كما من المفروض أن أتعامل مع من يتعامل معي بهذا الأسلوب غير اللائق أقل ما يقال عنه، لكني استصعبت ذلك، لأنني حين أنظر لعينيها وبريقهما لا أتمالك أن أكون غير لطيفة بتعاملي معها.
في تلك الأيام لم يعتصر قلبي قهرا الا فكرة أين كنت طيلة 4 سنوات، منذ حصولي على رخصة ممارسة المهنة، لماذا لم أقف الى جانبها في تلك الفترة العصيبة، لكني استوعبت أنني كنت أكتسب الخبرة تلو الخبرات التي أهلتني أن أضيء تلك الشمعة.
عدت الى بلادي وأنا أتحسر على كل شيء، الا على وجوب وقوفي الى جانبها في تلك الفترة المصيرية بالتأقلم. تعلمت من خطأي هناك وبما أنني لا أواجه عينيها على الهاتف جعل امكانية تجاهلها وتعاملي غير اللطيف أمرا واردا، وفعلا أعطى نتائجه، تمكنت من ارغامها على الاصغاء لي، الأمر الذي حرمتني منه تماما هناك، حرمتني أن أخبرها أنها رائعة ولا داعي لتلك المخاوف ولتطرد أشباح الهاربة من تلك الأماكن الرمادية التي قبعت فيها عقدًا من الزمان، كما أن تلك الوحوش الهجينة ليست أنا. (يتبع)
