كانت ليلة 29.10.1948 ليلة خريفية، جافة، حارة. السماء صافية تتزاحم فيها النجوم، تتلألأ بسطوع وكبرياء – والقمر بدرا، يتربع في السماء بجماله الساحر، وضوئه الباهر المنبعث من ذلك البعد السحيق ليضيء القرية الوادعة، الجاثمة على عدد من التلال او الروابي بلا ماء ولا كهرباء – في بحر من الظلام – ليلة كثر فيها الهرج والمرج اختلفت فيها النغمات، وتبلبلت فيها الألسن، شهدت حركة غير عادية ترى الناس يتحركون فيها ذهابا وإيابا، في هم وغم، زرافات ووحدانا في حيرة من أمرهم. تجمعات النساء في الازقة – والحواري والشوارع يتهامسن بريب ووجل ومنهن من غالين في التخيل والتصور والحدس ودخل الى نفوسهن الوسواس الخناس. عن المصير المنتظر في الغد القريب، فهذه اخذت تلطم على خدها وتلك راحت تولول، والأخرى تضرب كفا على كف – وبعضهن قدن صغارهن الى الجامع والكنيسة لضمان ملاذ آمن يحميهن واولادهن من غائلة وبطش اليهود، وبعض الرجال الشباب منهم شدوا الرحال الى لبنان تاركين عوائلهم هربا مع افراد جيش الإنقاذ الذين راحوا يتراكضون ويهرولون للإفلات من قبضة "الهجاناه" اثر انتشار خبر استسلام القرية لليهود صبيحة يوم 30.10.1948 وفق قرار اتخذه مشايخ ووجهاء القرية ورجال الدين.
استذكر الجميع رجالا ونساء شيبا وشبابا وعاد الى اذهانهم وقائع مجزرة دير ياسين، المروعة التي كان الناس قد تلقفوها وانتشرت كالنار بالهشيم والتي نفذتها عصابات منظمتي "شتيرن " و"الارجون"، بقيادة الصهيوني بيغن في 9.4.1948 التي زرعت الرعب في النفوس.
وراح الناس يتخيلون، والرعب يدب فيهم – ان ما فعلوه في دير ياسين 9.04.1948 من القتل، والذبح، واستباحة النساء والرجال – وانتهاك الاعراض- سينفذونه في القرية، لما سطرته من مقاومة، وآيات الصمود الباسلة بحيث صدت كل محاولات الاقتحام والهجوم لأشهر عدة.
وضعت عائشة أبناءها الثمانية حولها كالدجاجة التي تحتضن افراخها تحت كتفيها، في العريشة، مرقدهم الصيفي – ولم تتحرك وكان يتنامى لسمعها ضجيج الناس. ووقع اقدام المارة – ومنها كانت تشاهد وعن ضوء القمر الساطع – عودة بعض رجال المقاومة العائدين من الجبل – من أماكن الحراسة – والمقاومة –وبنادقهم بأيديهم وعلى اكتافهم.
جلست تخالجها الهواجس وتنخرها الوساوس – التي تسري في ثناياها واوكلت مصيرها، ومصير أولادها الى القدر المجهول الآتي – كيف تتحرك وصورة مشهد مهجري صفورية القاتم والمأساوي المؤلم، عندما مروا في القرية – وخيموا تحت زيتونتها أياما حتى شدوا الرحال الى لبنان في أيار من تلك السنة تلك الصورة ظلت ماثلة في ذهنها وارتسم ما عانوه من بؤس، وخوف، وجوع، وعطش، مشهد الأطفال الذين كانوا يهيمون في الشوارع في الحر القائظ حفاة، عراة، يطرقون الأبواب طلبا للطعام والشراب.
شد ازرها، وقوى عضدها للبقاء، وعدم النزوح او التحرك، عرمة الذرة في البيت وخلية الطحين الممتلئة – وبرميل الزيت الطافح- والبئر امام البيت.
وفي غمرة هواجسها واستكانتها- وفي ساعة من الهزيع الأول من تلك الليلة وعلى ضوء القمر بدرا وعندما انتهى الامر باستسلام القريتين سخنين وعرابة – وقرار رفع الاعلام البيضاء، الذي انذر بانتهاء دور المقاومة، عاد الزوج واضعا طرف قمبازه الرمادي في حزامه ليظهر سرواله الأبيض رماديا، عاد يلهث والعرق يتصبب من جبينه – وجسمه، وقد اعياه التعب. عاد من موقع الجميجمة الموقع الفاصل ما بين ميعار المهجرة، حديثا، وبين جيش الهجاناه الذي احتل ميعار، وحاول احتلال سخنين رمى بندقيته وبدون سابق انذار توجه للعائلة، طالبا الاستعداد، دون ان يفصح عن شيء فراح واسرج الحمار واخذ ينقل بعضا من اللحف والفرشات الخفيفة، والقاها على ظهر الحمار، ادركت عائشة بفراستها ان زوجها عازم على امر خطير، ولما انتهى من حزم الفراش، توجه للزوجة والأولاد طالبا النهوض والاسراع للرحيل، شارحا لهم ان لديه لفيفا من الأصدقاء في بلدات "رميش" و"مارون الراس" معللا سبب الرحيل، ان القرية ستستسلم غدا صباحا في 30.10.1948 وسيدخل اليهود الى القرية– وسيفتكون في الناس ويستبيحون الاعراض والنساء على غرار مجزرة "دير ياسين". رفضت الزوجة الطلب وطلبت منه التريث وان يأخذ قسطا من الراحة ليتناول ما يسد رمقه ويطفئ ظمأه وان يتحلى بالصبر، فرفض ما عرضته عليه والح عليهم بالنهوض – فعادت عليه ثانية بطلب التريث- فاستشاط غضبا وقطب جبينه وارتجف شارباه واهتزت شفتاه فراح يصرخ طالبا النهوض للرحيل، اخترق صراخه هدأة الليل وسكونه وعانق السماء، احتد الموقف واحتد الصراخ فارغى الرجل وازبد فدب الذعر في الجيران واحتسبوا ان اليهود اقتحموا بيت العائلة فهرعوا للنجدة، عهدوا ان العائلة تعيش حياة رتيبة حياة حب ووئام – فلم يعبأ الرجل بمن حوله –فعاد على الصراخ فما كان منها الا ان رفضت عنها كابوس الطاعة العمياء وقناع المرأة المستضعفة، فصرخت بدورها ان لا مفر من هنا، خاطبته بشجاعة ورباطة جأش وراح يهددها بالطلاق، والأولاد يرتجفون خوفا من ذلك المشهد البائس ثم عادت تخاطبه بنبرة حادة وقالت اسمع اريد ان احلف كما يحلف الرجال، فطلاق بالثلاث منك لن اغادر هذا المكان، الحمار لك ولبنان امامك والأولاد لي وانا باقية هنا وارحل انت ومع السلامة.
استعاذ الرجل وحوقل وجلس القرفصاء واشعل سيجارته واخذ ينفث الدخان فتراه كسحابة تخرج من فمه، رأى بعض الحضور، هدوءه، واستبشروا خيرا – وامام إصرارها استسلم الرجل- وتراجع عن فكرة الرحيل وراحت مثلا- حلفت عائشة بالطلاق بالثلاث.
