جدليّة الحياة تحرّم الاجابة بـ "مع أو ضد"

single
  • لماذا نقبل أن نكون ضحايا حتى لا نلام؟
  • وهل تتلخص حياتنا بان لا نكون تحت طائلة اللوم؟
  • هل المبدئية معفاة من امتحان الصمود تحت تأثير الضغط الاجتماعي؟ في حين أن جميعنا يتمترس لمجموعنا في أقصى مكان من الحلق

  •  ايانا ان نقع في شباك مفهوم احد الخيارين، اما مع الثورة واما مع النظام، لسنا مع النظام الذي ما انفك يستعمل نفس الادوات والمعايير الهمجية منذ اربعين عاما ولسنا مع المعارضة التي تقود الشعب الى الانتحار وتقدم ارواحه قربانا على مذبح مصالح اعداء هذه الامة. نحن مع اعادة اصطفاف القوى الدمقراطية التقدمية التي تضع في صلب برنامجها محاربة الفساد والدكتاتورية ورجعيتين، السياسية والفكرية


طالما رددت جدتي، عليها رحمة الله، مقولتها الشهيرة " ابن الندورات كما زوج السحورات" لا خير فيهما الى يوم الدين.
كم تغنينا وكم ابتهجنا وكم اسندنا نفوسنا المتعبة الى ما بدا من مواقف النظام السوري، التي لها طابعها الثوري ونبرتها الشجاعة المعادية للامبريالية وسلوكها الداعم المتحدي. كم كان لهذه المواقف تأثيرها المنعش، كما نسيم الصبا، على النفوس المتهدية المتعبة. وهذا امر طبيعي لان سوريا كانت وستبقى أم بلاد الشام.
ما زال هذا النظام يحكم سوريا على مدى تجاوز الاربعة عقود. وكم تحملنا نحن العرب الفلسطينيين الباقين على ارض أجدادنا من اساءات هذا النظام وبنفسية "صفح المحب" وكم تحملنا الاهانات والتهم الباطلة، التي كان عقابها الاقصاء والتنكر، من قبل عباقرة وطليعة الحزب العربي القومي الايديولوجي الثوري، كم حاولوا ايهامنا بأنهم هم الوحيدون الذين يستطيعون هذا ما ذوّته بعضنا، بشكل او بأخر، وعبر عدة عقود دون حتى الالتفات لحكمة جدتي ولسان حالنا يقول "ضرب الحبيب زبيب". وكم هي ثمينة تلك الاشياء والمعايير والمواصفات عندما تكون شحيحة.
    علّمتنا الحياة ان الشيء في ذاته، وهي مقولة فلسفية حفظها بعض مثقفينا عن ظهر قلب، وكم رددوها وطربوا لها، الا انهم مروا عليها مر فاقدي البصر والبصيرة، عندما وضعوا على المحك، صمتوا صمت اهل القبور أمام ممارسات من بشر بالعدالة الاجتماعية وتبنى اهدافها قولا في حين كثف سعيه من اجل تملك القصور ورفع منسوب ثروته وخص نفسه بالامتيازات التي تضمن له التعالي على الناس وساطهم بالسياط متجاهلا المعيار الاساسي الاصدق الا وهو صدق القول مع العمل.
أين كان هذا النهج الديمقراطي التقدمي طيلة تلك السنوات الغابرة؟ اربعون عاما مضت تكفي لصناعة شيوخ، وليس فقط اجيال شابة ثورية وطلائعية، تقدمية وعلمانية.
في الحرب العالمية الاولى دمرت اوروبا واقاليم كثيرة اخرى بشكل رهيب، وقد استطاعت اعادة بناء ما دمر من مبان وبنية تحتية ومنشآت صناعية بالاضافة الى اعادة تنظيم المجتمع في اقل من عشرين عاما، وليس اربعين، بل استطاعت تجهيز نفسها لخوض حرب جديدة اعنف واكثر دمارا.

  • *القناع قناعات تكمن خلفه عقلية*


كم صعقت حينما شاهدت على شاشة التلفاز مظاهر وشعارات تلك الجماهير المشاركة في مظاهرات خلع النظام. انا من الناس الذين يفسرون ويتأثرون جدا بالسلوكيات والظهور التظاهري، واعتبر ذلك تفسيرا ومعيارا للمستوى الفكري وتعبيرا عن درجة الوعي. فالمظهر الخارجي المسيّس هو انعكاس لعقلية وقناعات، وليس فقط كما يصفه البعض بأنه موروث شعبي ونمط حضاري فرضته الظروف والحاجة. فالقناع قناعات تكمن خلفه عقلية لا يعنيها التطور وتراكماته في شيء، وهو ايضا تعبير عن نفس مطعونة شوّهتها اياد لئيمة غارقة في جرم التشويه، وما هذه الظواهر الا دلالة على عجز النظام او عدم اكتراثه بالجرائم الاجتماعية التي لن تحدث الا في حالات وجود التمييز والاهمال.
للاشياء عناصرها وصفاتها وملامحها، كما ان للامور دلالاتها ومكوناتها.
أن تورث أبناء عائلتك ما ادخرت من كدك وسعيك يختلف تماما عن توريثهم بلادا عامرة وقصورا شامخة وحكما بالناس وتحكما في مصائرهم، والانكى ان يحصل هذا باسم الثورة والعلمانية والحرية والعدل الاجتماعي، ومهما تفذلك البعض وامعنوا في التبرير، فان الحقيقة ستبقى بسيطة وواضحة كالشمس، "ما اغتنى غني الا بما جاع به فقير ".
إن رفض هذا الواقع لا يعني باي حال من الاحوال ان الشق الآخر من معادلة الصراع الدائر في سوريا، أي ما يسمونهم بالثوار، على حق وانهم البديل لان طرحهم وسلوكهم وتحالفاتهم واهدافهم، كل هذه الامور تدفع بسوريا نحو الهاوية.
علينا ان نعيد الى ذاكرتنا تلك الايام، ايام اندلاع الثورة الايرانية على الشاه وحكمه وظلمه وخيانته، عندما انخرط حزب "توده" الماركسي  في ثورة الخميني على تلك الجرائم، لقد حارب الحزب في صفوف الثورة حتى انتصاره، وبدوافع النوايا الحسنة وتمشيا مع مبدأ التعددية. ان انجاز الثورة الاول بعد نصرها كان تصفية حزب تودا جسديا وتنظيمه.
إن شكل ونمط وتحالفات الثورة هو الذي يحدد وجهتهم، وعلينا ان نستفيد من دروس التاريخ هذه.
على القوى السورية الثورية التقدمية ان تصحو من كبوتها، ان تعيد النظر في تحالفاتها واصطفافها، ان لا تبقى في نفس الخندق مع من يعتمدون عربيا على دول الخليج وعالميا على الدعم الاستعماري الامبريالي وحدودية على تركيا والاردن وعصابات العراق واسرائيل، قل لي من تحالف اقل لك من انت، عليها ان تحذر من الوقوع في مطبات الخداع البراقة حتى لا ينطبق عليها قول من قال " جكارة بالطهارة سأبول في سروالي".
أي ثورة هذه التي تطالب بالحماية الدولية؟، الا يعلم القاصي والداني ان الحماية الدولية ما هي الا حماية اطلسية، وهذه الحماية لا تعني الا احد انماط استعمال القوة، أهذا ما تسعون اليه أيها الثوار الاشاوس؟، هل تعي القوى الثورية التقدمية السورية في أي منزلق انزلقت؟ هل انتم قانعون بان الاهداف السامية لمطالب الشعب ستأتي على يد هذا التحالف الغريب العجيب الدنس؟، الذي باتت اهدافه اكثر وضوحا.
عندما سئل وزير الحرب الاسرائيلي  ايهود براك "ما هو الافضل لليهود بقاء النظام السوري ام صعود المعارضة؟" فاجاب ان الافضل لليهود ان تصبح سوريا ضعيفة!! فاعتبروا يا اولي الالباب.

  • *خيار القوى العلمانية*


كنا قد اشرنا في الماضي، نحن الشباب التقدمي، وقبل اندلاع الثورات في عالمنا العربي، الى ان البديل المرشح لهذه الانظمة القائمة، مع التأكيد على الفوارق، لن يكون الا دينيا اصوليا، فهم الاكثر تنظيما والاوسع انتشارا وان المزاج العام في الشارع العربي ان لم يكن معهم فانه قريب منهم، وان الخيار الوحيد للقوى العلمانية الديمقراطية في هذه المرحلة هو ايجاد المعادلة المناسبة للتعامل مع التيارات الاسلامية المعتدلة كخطوة تكتيكية.
إن مطالب الثورة ونمط  ادائها هما اللذان يحددان مصداقيتها وصحة مسارها، الممارسة هي التي تكشف القدرات والنوايا.
على الجماهير الشعبية السورية ان تعي الحقيقة وهي ان دماء ابنائها التي سالت وتسيل في ظل هذه التحالفات، لن تكون ثمنا لخدمة مصالح اعداء الشعب الذين لم يكترثوا الى هذه الارواح طالما ان الامور تجري لتصب في خدمة مصالحهم التي في جوهرها تقسيم البلاد الى امارات مهترئة تكرس التعصب وتقلص مساحات الانتماء وتغذي الشرذمة.
ايانا ان نقع في شباك مفهوم احد الخيارين، اما مع الثورة واما مع النظام، لسنا مع النظام الذي ما انفك يستعمل نفس الادوات والمعايير الهمجية منذ اربعين عاما ولسنا مع المعارضة التي تقود الشعب الى الانتحار وتقدم ارواحه قربانا على مذبح مصالح اعداء هذه الامة. نحن مع اعادة اصطفاف القوى الدمقراطية التقدمية التي تضع في صلب برنامجها محاربة الفساد والدكتاتورية ورجعيتين، السياسية والفكرية. ان سياسة الولايات المتحدة وشركائها في شرقنا الحبيب ترتكز على ثلاثة مسارات تستعملها حسب الحاجة وتماشيا مع الظروف:
1) ان تحرك ادواتها وعملاءها، بدعم كامل، لاحداث انفجارات الفوضى واراقة الدماء ناعتة اياها بانها ثورة شعبية، فتكون في هذه الحالة هي المحرك والموجه لهذه "الثورات" كما يحدث في سوريا.
2) ان تقفز على المسيرة، وهي في اوج انطلاقها فتحدث البلبلة وتحرف المسار.
3) للقوى الامبريالية مشاريعها المعدة سلفا، وبدرجة عالية من الدقة والزندقة، تقوم من خلالها بالالتفاف على الثورات الاصيلة  بعد نجاحها فتطلق العنان لرجال عصاباتها لافتعال ثورة مضادة ستقود حتما الى حرب اهلية.
علينا كقوى تقدمية ثورية خاصة بمثل هذه الظروف الجديدة ان نجيد تكيفنا مع خصوصيات هذه المرحلة، ولا يوجد أي سبب يمنعنا من تسمية المولود باسمه. علينا تحدي المخاطر التي تهدد كل الشرفاء واليساريين. كما علينا دراسة وفهم التحولات الجديدة وان نعيد صياغة خطابنا الثوري على خلفيات مجمل ما ذكر سابقا.  الايام والاشهر والسنون القادمة لن تكون سهلة ولن يكون فيها مكان للخطاب المراوغ. ان فهمنا الواعي والواقي لحقيقة ما يدور حولنا يحتم علينا اليقظة والنضال الواعي المثابر من اجل تخطي هذه المرحلة.
 
     
(الكاتب سكرتير فرع الحزب الشيوعي في الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مطلب الساعة انجاز الوحدة واعدام التشرذم المشين

featured

"الشعب يريد إسقاط النظام" ، في سورية أيضا!

featured

بَيْنَ (تَحْت) و (فوق)!

featured

الجامعة العربية من أكثر الأطر رجعية

featured

لثورة في واقع العرب: النهر ضد المستنقع

featured

كلمة تقدير ووفاء

featured

عندما يصبح الحليبُ خبزًا !