من يستعرض مواقف وقرارات ومسلك جامعة الدول العربية منذ تأسيسها يكتشف أمرين أساسيين: الأول يقول ان هذه الجامعة اتخذت الكثير من القرارات الصحيحة نسبيًا وبما يتلاءم مع دورها في قضايا الشعوب العربية، وخاصة قضية الشعب العربي الفلسطيني، مع ان جُلّ هذه القرارات لم ينفّذ، ولم تلاحق هي تنفيذه، بل كانت القرارات وبالإجماع حتى يسود الوفاق على أساس المجاملات والشعارات التي لا رصيد لها. وقرارات الجامعة خاضعة طبعًا لمركباتها بحسب طبيعة وجوهر النظم العربية الأعضاء فيها، لكنها لم تقم بأي جهدٍ يُذكر في الدفاع عن قراراتها هي في مواجهة الولايات المتحدة بالأساس، هذا عندما كانت التركيبة تختلف كثيرًا عن اليوم.
والأمر الآخر – خاصة في العقود والسنوات الأخيرة، أصبحت أشبه بعكاز ومطية للاستعمار والرجعية، وقد أشار الرفيق خالد حدادة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني إلى ذلك مؤخرًا.
فقد شكلت ضاغطًا ثقيلا على الجانب الفلسطيني المفاوض في الدفاع عن حقه العادل والواضح والمشروع، كل ذلك بضغط من أمريكا وحلفائها وشركائها وضحاياها من الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية المرضيِّ عنها جدًا من قبل أمريكا.
والجانب المخجل أنها تبدي عجالة قصوى في تطبيق القرارات الخطيرة والحقيرة، ولا تلاحق أبدًا تنفيذ القرارات الصائبة. لقد أصبحت الأموال التي تُدفع من دول الخليج لنظم وأطر ودول وأفراد لمحاربة كل من هو وما هو معادٍ للاستعمار ومخططاته، وهذه الدول ومنها قَطَر تشتري مفكّرين ومنظمات وجمعيات، هذا الأمر الذي يجب أن تثور له الكرامة الإنسانية والشخصية. ومما يُذهل فعلا أن البعض ينساقون إلى فرية الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الحرية والدمقراطية، فهل في هذه النظم هي وأسيادها حرية وحقوق إنسان!! بدءًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إسرائيل وكل الرجعية العربية، ماذا يجري في البحرين والكويت، وماذا جرى هذا الأسبوع في مصر، وفي ميدان التحرير بالذات!! وماذا يجري في الأردن والمغرب!! ونصل إلى سوريا.
هل قرار الجامعة العربية بتجميد عضوية سوريا جاء فعلا لمصلحة الشعب السوري وبهدف الحرص على حقن الدّم!! لسنا من الهبَل والسذاجة للتعامل مع ذلك.
في سوريا هنالك حاجة ماسّة وملحّة لإجراء إصلاحات واسعة وعميقة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والطبقية، وهنالك معارضة وطنية تكافح من اجل ذلك، وهذا دور كل إنسان وطني وتقدمي، لا نقاش لنا على ذلك.
لكن ماذا مع العصابات التي تحمل السّلاح المقدّم من ألدّ أعداء الشعوب العربية ليس من أجل الإصلاح، بل من أجل إقامة نظام طيّع لأمريكا وشركائها، ضد النظام السوري المعادي للاستعمار ومخططاته وممارساته، والنظام الصّديق لكل مقاومة تقاوم المحتلين، هذه حقيقة. هل أيّدنا مرة التعامل مع المعارضة من فوهات البنادق، لكن ماذا مع العصابات المعارضة بالقتل والحرق والتدمير والتخريب!! لمصلحة من هذا!! مصر التي قتلت العشرات وجرحت عددًا هائلا من المتظاهرين أية مصداقية لها في تأييد هذا القرار المشين، السعودية التي تدخّلت ضد المعارضة في البحرين أية مصداقية لها. أليس من العار ان تعارض هذا القرار الحقير فقط لبنان واليمن وامتناع العراق!! حتى الجانب الفلسطيني!! معروف من هو البديل ضد النظام السوري المستهدف، لو كان بديلا وطنيا فعلا، ويساريا، ومعاديا للاستعمار أكثر هل كانت تؤيده أمريكا والسعودية وأتباع حقوق الإنسان في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها!! هل هؤلاء يحبون مصلحة الشعوب العربية!! يحبون مصلحة هذه الشعوب بسلاحهم لإسرائيل في حرب الـ 67، وبوعد بلفور، وفي العدوان الثلاثي على مصر سنة 56، ومعاهدة سايكس بيكو وتقسيم الأرض العربية إلى دويلات بالأمس البعيد والقريب والسودان والعراق مثل على ذلك، هذا ما ينتظر سوريا ولبنان من قبلهم وبالاعتماد على الرجعية المحلية في كل قطر، فأين موقف جامعة الدول العربية من هذا الخطر الذي حدث ويحدث وهو محدق.
أين كانت فعلا هذه الجامعة المطية عند العدوان الإجرامي على غزة والحصار، وأين هي من الاستيطان والجدار وأين لجنة تحرير القدس، وكل هذه المضحكات المبكيات، أين كانت من الحرب الإجرامية الأخيرة على لبنان!!
كانت تنتظر القضاء على المقاومة الباسلة، على هذا تعاقب سوريا، أين هي من التهديد بضرب إيران!! على هذا تُعاقب سوريا ونظامها. نحن لنا كل المصداقية لانتقاد النظام السوري، والمعارضة الوطنية السورية لها الحق وعليها واجب المطالبة بالإصلاحات، أما الولايات المتحدة وحلف الأطلسي والجامعة العربية بموقفها هذا والأفراد والمفكّرون الذين يعتاشون على الأموال الدنسة من الأسياد العبيد الأنذال فخسئوا، ليست لهم أية مصداقية، لأنهم أصبحوا بضاعة وسلعة في سوق الدّلال على الأسعار. ونحن نعتز بموقف الحركة الشيوعية وكل النظم والأحزاب التقدمية المعادية للاستعمار والصهيونية والرجعية النذلة الشريكة في المخططات الإجرامية، هل الملايين من بنات وأبناء الشعب السوري الذين يخرجون منددين بقرار الجامعة العربية هم لا شيء!! أما عصابات التخريب فهي كل شيء!!
نحن نعرف أننا نعيش فترة صعبة، وان أكثر بقعة يستهدفها الاستعمار والصهيونية هي الشرق الأوسط، لموقعها الجغرافي، وثروتها السكانية كسوق عمل واستيراد للبضائع الأمريكية بالأساس، وسمعنا الأرقام المذهلة عن الميزان التجاري بين أمريكا والسعودية، ويستهدفها بسبب النفط، هذا المخطط ليس أقل خطرًا من سايكس بيكو. لكن الشعوب العربية في النهاية سترجّح الكفة لصالحها، وستدوس على كافة أساليب التفرقة إلى شيعة وسنّة ومسلمين ومسيحيين وكل هذه التعابير التي تفبرك وتصنع في المرجل الاستعماري والصهيوني والرجعي العربي.
