تزداد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في إسرائيل سوءًا يومًا بعد يوم، مع ارتفاع حرارة الجو في فصل الصيف الآخذ في إشعال اللهيب الاجتماعي الذي أشعلته حكومة نتنياهو ومجروراتها في الائتلاف الحكومي، وما حدث مؤخرا في مدينة بئر السبع من ارتكاب لجريمة بشعة هو تعبير عن الحالة المأزومة الاجتماعية التي تعيشها الجماهير الشعبية وأصحاب المداخيل المتواضعة. ان أقطاب حكومة نتنياهو لبيد بينيت ورأس المال هم أول من يتحملون مسؤولية هذه الفاجعة المؤلمة بحق عائلات الضحايا ومرتكبها.
والسؤال الطبيعي في مثل هذه الحالة غير الطبيعية، أين ممثلو الطبقة العاملة والجماهير الكادحة؟ أين النقابات بين منتخبي الهستدروت؟ أين رئيس الهستدروت عوفر عيني؟ لماذا لا تندلع الإضرابات والاعتصامات وتنطلق شرارة الاحتجاج الشعبي، أين الجمهور والشعب عامة؟ لماذا لا تثور الأغلبية من المتضررين من ويلات هذه الحكومة وأقطابها، لماذا لم تخرج جماهير الشعب إلى الشوارع والساحات والميادين من اجل إسقاط حكومة الاستيطان والحرب حكومة تجويع الشعب.
كيف يسمح الضعفاء وهم الأكثرية في المجتمع لحكومة نتنياهو لبيد بينيت بالسطو على جيوب الفقراء والناس الغلابى من اليهود والعرب، لصالح كبار رؤوس الأموال وغلاة المستوطنين، لكي يزداد الأثرياء راء أكثر ولبناء المزيد من المستوطنات التي هي عقبات في طريق السلام إرضاءً لليمين ودعاة الاستيطان، بينما يزداد جيش الفقراء كل يوم فقرًا وعددًا.
هل إسرائيل تعتبر اليوم، دولة وكيانا خارج دائرة الصراع السياسي والطبقي، خالية من قوانين تطور المجتمع من وحدة وصراع الأضداد، وهل اختفى من الوجود الإسرائيلي مفهوم المستغِلين والمستغَلين وان التمايز الطبقي غير قائم – أم ان الفكر الصهيوني قد وحد تحت جناحيه كل الناس والفئات وانتقل من حركة عنصرية سياسية شوفينية تمثل الرأسمال اليهودي والإسرائيلي والأجنبي، إلى حركة جماهيرية شعبية فوق الشبهات والطبقات وأزاح من طريقه الصراع الطبقي إلى حيث ألقت وحقق العدالة الإنسانية والاجتماعية والمساواة والديمقراطية للجميع.
إلى أين ستقود حكومة نتنياهو وغيرها جماهير الشعب وهم الأكثرية الساحقة 90% إلى أي نوع من العدالة، هل هي عدالة السماء أم عدالة المجتمع الرأسمالي بإنصاف الغني وترك الفقير يواجه مصيره بيديه. ان قادة الحركة الصهيونية وأقطاب الحكومة الحالية ورجال السياسة الكبار أصحاب الملايين وتأييدهم القرار قد استطاعوا خلال الحقبة التاريخية من قبل قيام الدولة ودخولها في حالة من الصراع السياسي مع الشعب الفلسطيني والعرب عمومًا ان يشلو القدرة الجماعية والفردية للمواطن اليهودي على التفكير خارج الإجماع الصهيوني اليهودي والقيام بعمليات التنويم الاجتماعي ومحاولة وتذويب الصراع الاجتماعي وتقزيمه وتهميشه وإخماد وقتل كل صوت ممكن ان يرتفع نحو التحرر الاجتماعي والفكري من اجل المحافظة على بقاء إسرائيل ومكانتها اليهودية وخدمة لمصالح الرأسمال الاحتكاري الأمريكي والغربي عمومًا كشركاء في السلب والنهب لخيرات الشعوب الأخرى والوقوف في مواجهة تاريخية بإسرائيل "من الأعداء العرب والفلسطينيين والإيرانيين" وغيرهم، ولهذا ينطلقون بان كل الخيرات والإمكانيات والميزانيات غير قابلة للنقاش والمساءلة.
تكون "للبقرة المقدسة الأمن" وإخضاع الاقتصاد للقضية الأمنية والعسكرية ولأهداف الاستراتيجية لأكثر الحكومات يمينية وتطرفًا وعداءً للسلام العادل للشعوب المجاورة وعلى رأسه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وتحقيق طموحاته بالحرية والاستقلال على ترابه الوطني.
لقد بلغت تكاليف تجهيز طائرة لنتنياهو وزوجته سارة لنقلهما إلى بريطانيا بتقديم التعازي بوفاة تاتشر مع غرفة استراحة (127) ألف دولار حوالي نصف مليون شاقل، أليس هذا كله على حساب ومن جيوب العاملين والفقراء والمحتاجين. أليس هذا الصرف والبذخ من الواجب ان يحرك أوساطا عديدة وفئات وقطاعات شعبية واسعة للنزول إلى الشارع؟!.
من المؤسف حقًا، ان القيادة الهستدروتية، التي من المفروض ان تكون أول من يهب ويتصدى لحكومة وحيتان المال في إسرائيل، تراها متهادنة ومنسجمة إلى حد بعيد مع الخطوات الاقتصادية لهذه الحكومة، ان القوة الحقيقية لقيادة الإضرابات العمالية، تكمن في النقابات والتنظيمات العمالية التي ينضوي تحت قيادتها آلاف العمال في مختلف المصانع والشركات العامة والخاصة وآلاف الورش الصناعية، فعندما تنطلق الشرارة ينطلق الكفاح والنقاش على من يتجرأ على التلويح وإعطاء الأوامر وإشعال فتيل الكفاح الذي يزيد اللهب في جسم الدولة الاقتصادي، لينضم إلى الإضرابات جميع التنظيمات العمالية والمؤسسات الحكومية والمجالس والبلديات وغيرها. لكن الأمور لا تسير على هذا النحو. فمن وراء الكواليس بين وزارة المالية والحكومة، وبين القيادات الهستدروتية الخنوعة اتفاق وانسجام على شكل الضربات الاقتصادية الموجهة للشعب وبين سقف أعلى للاحتجاجات والإضرابات للحيلولة دون السيطرة على الأمور. وان تبقى ضمن البيت اليهودي "المهدد بالتشرذم والذي يحيطه الأعداء من كل الجهات"، ومن جهة أخرى للحيلولة دون تسرب الفكر الثوري والوسيلة الكفاحية في المعركة واكتسابها لمعرفة طبيعة الصراع، وعلى ماذا يدور نمط التفكير الصهيوني والساسة والمنظرين البرجوازيين الصهيونيين، وأقطاب حكومة رأس المال الإسرائيلي.
لقد كشفت الحقيقة، ومجريات الكفاح اليومي، ان الشيوعيين والجبهويين العرب واليهود، ومن خلال تمثيلهم في النقابات، هم القوة الحقيقية والجريئة في طرح الأمور ووضعها في سياقها الفكري والعملي، بان العدو الحقيقي لجماهير الشعب ولجمهور العاملين من العرب واليهود يكمن في تلك الحفنة من الساسة والقيادات الخنوعة المتعاونة مع كبار الرأسماليين والاحتكاريين، الذين يتسترون وراء القومية الشوفينية ويهودية الدولة بهدف إيجاد المبرر والاستمرار لحالة الاستغلال والسلب والنهب لحقوق آلاف العاملين وتجويع الأكثرية "باسم الأمة اليهودية" للحفاظ على القيم اليهودية الصهيونية بما هم يكرسون من الأموال والأرباح من دم وعرق الناس الغلابى من اليهود والعرب. وما زالت حالة تسمم الفكر والعقل بالجو والأفكار الشوفينية والعنصرية وبسيطرة القوي على الضعيف. وتغلغل المفاهيم المعادية للعرب والفلسطينيين والشيوعيين ومجموع اليسار هي سيدة الموقف. فكم بالحري في ظروف الهجمة الليكودية الحكومية اليمينية على هامش الديمقراطية والحريات، عسكرة الاقتصاد وتنامي خطر الفاشية وشرعنة القوة والتهديد بالحرب على سوريا وإيران ولبنان وغزة وتشريع القوانين التي تمس بالحريات العامة والديمقراطية والمواطنين العرب وممثليهم في البرلمان.
(كويكات / أبوسنان)
