كان ذلك قبل ستة وثلاثين حولاً بالتمام والكمال، في مثل هذا اليوم المجيد من زمن كان كالحاً، يعبق في فضائه دخان الحريق الأخير ويذرو في عنانه الرماد، عندما عبر سنونو واحد يتيم عباب المدار الأزرق الجميل على حين غرة، وجال فوق الفيافي القفر والسهوب الجرداء، دار دورة سريعة، بشّر بالربيع ومضى، كأنه على عجلة من أمره، أو أنه كان على موعد آخر في مكان قصيّ.
ومع أن رفاً كاملاً من عصافير السنونو ليس قادراً وحده على زف البشارة بفصل الربيع الذي لا يحل إلا في الأجل الموقوت، إلا أن ذلك العصفور اليتيم الذي حط برهة في أعالي الجليل، بين سخنين ودير حنا وعرابة البطّوف، كسر القاعدة السائدة، وفض رمزية الدلالة الغامضة، فأطلع نوار اللوز من أكمام أشجاره الساجيات منذ أجيال ثلاث، ثم أشعل المدى كله باخضرار رهيف.
بكلام آخر، فإن يوم الثلاثين من آذار، هو اليوم الأبيض الوحيد في التقويم الفلسطيني الغاص بأيام طافحة بخيبات الأمل وصور المآسي السوداء، ومشاهد الهزائم والانكسارات. وبذلك فإن هذا اليوم الاستثنائي في الزمان والمكان يستحق حفاوة شديدة، واحتفالاً حميمياً يليق بما أدوعه يوم الأرض هذا في صدورنا الخاوية من مشاعر اعتزاز وطني وقومي كانت خافتة، وما دشنه بعدئذ من مناسبات لاحقة على أجندة العرب والفلسطينيين.
فمنذ يوم الأرض هذا بات لنا يوم أغر من أيام العرب الخوالي الخالدات، وصارت لدينا مناسبة بهيجة مختلفة عما عداها من مناسبات الأسى والعويل السابقات، نستعيد من بهاء صبحه الناصع ألقاً يشع من حباب العيون، ونسترد فيه قدراً متعاظماً من مشاعر الكبرياء، وقسطاً متزايداً من المضاء الذاتي بعد هذه المواجهة التي انقلبت لأول مرة، في مثل هذا اليوم، لصالح من كانت أقدارهم تشي سلفاً بالخسارات.
كان يوم الثلاثين من آذار عام 1976 يوماً مبكراً من ربيع أشمل طال قدومه واحتبس حتى إلى ما قبل نحو عام، كان بمثابة وردة واحدة في مزهرية صغيرة ظلت على حافة نافذة منزل أرضي، تسقي عودها الطري دموع الثكالى والأيامى، وقطرات الجراح الراعفات، وكان فوق ذلك كله فاتحة زمن تأسيسي تعثر كثيراً ولم يمض في خط مستقيم، إلا أنه ظل زمناً واعداً بقدوم رفوف أخرى من عصافير السنونو ولو بعد حين.
وها نحن اليوم نحتفل، بعد قدوم رفوف لا حصر لها من عصافير السنونو، بعيد الأرض للمرة الأولى في زمن الربيع العربي، نتهيأ لقدومه بحبور يتماثل تماماً مع تقاليد هذا الزمن الذي تصالح فيه العرب من أنفسهم، وجددوا معه حضورهم التاريخي كأناس ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وذلك وفق ما ستتجلى عنه في رابعة هذا النهار المشاركات الشعبية العربية منها والدولية، التي لا سابق لها داخل فلسطين، وفي المحيط المجاور لأرض الأنبياء والرسالات.
وأياً كان التعسف في قراءة زمن يوم الأرض، وكانت المغالاة في الإسقاطات والرغائبية في المقاربات، فنحن نود أن نراه بعين القلب هكذا بشارة أولى، نبوءة سارة، أو قل يوماً مبكراً من أيام الربيع الذي تدفق ورده الأحمر أخيراً، وملأ الأصقاع من الماء إلى الماء، وصار علامة فارقة بين زمنين عربيين، أولهما مضى إلا أنه يتلكأ في الانصراف، وثانيها أزف ولم يكتمل أزوفه العصي بعد.
كان يوم الأرض في باكورته الأولى مناسبة تخص فقط أصحابها من عرب الجليل والمثلث والنقب، أولئك الذين أفاقوا من سباتهم الطويل وأخذوا بعد لأي شديد زمام أمرهم لأول مرة على نحو جماعي، غير أنه فيما بعد صار يوماً وطنياً لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الديار وفي الشتات، ثم آل إلى يوم من أيام العرب، يحتفلون به ويجددون فيه الثبات، وها هو الآن قد بات يوماً إنسانياً مشتركاً لكل الأحرار من مختلف القارات.
(صحفي أردني)
