بعد بضعة اسابيع أو اشهر سوف ننسى جريمة وفضيحة التعامل مع تقرير غولدستون عن انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان في "الرصاص المصبوب" على غزة في نهايات العام الماضي 2008 وبدايات هذا العام 2009.. وسوف ننسى التواريخ والأحداث كما نسينا التي كانت من قبلها، فنحن شعب كثير النسيان ولا يدوّن ولا يقرأ ولا يكتب، وإن فعل فهو لا يجيد فهم المقروء من كثرة ما يسامح!
بعد اسابيع سوف ننسى لجنة التحقيق التي شُكلت من أجل تقصي الحقائق التي أحاطت بتأجيل بحث هذا التقرير، سوف ننسى مبادرة التأجيل وممن كانت ومن هم المبادرون لها، سوف ننسى كيف توجه مسؤولو السلطة الفلسطينية إلى "مجانين" يتعاملون مع حقوق الإنسان فقالوا لهم "لا تكونوا فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين" أي لا تزاودوا علينا (!) فأهل مكة ادرى بشعابها ونحن ادرى بمصالحنا (!) ونعرف متى وأين وكيف ولماذا نحتّج(!).
بعد اسابيع سوف ندرك خطأ من وافق على أن يكون رئيسًا للجنة تقصّي الحقائق التي عينها رئيس السلطة، ونعي كيفية استغلالهه كما استغل الذين من قبله في لجان اخرى تم تشكيلها لتمييع القضية ثم موتها ثم دفنها او حتى وأدها حيّة، وندرك متأخرًا معنى السؤال "وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قُتلت؟"
ونحن يا قوم (تيتي تيتي - نراوح - مثل ما رُحتِ مثل ما جيتِ!)
اقول قولي هذا واذكر لجان تقصّ اخرى لا حصر لها وكم من لجان كنست الغبار ووضعته تحت السجادة وفي حالتنا تحت الحصيرة. وأذكر ايضًا انه ما صار شيء إلا وصار ما قبله. حتى الآن لا ندري ماذا وراء طلب التأجيل المشين إلا سيْل الإشاعات التي وصلت حد التخوين.. ولكل إشاعة نواة يتشكل حولها ما هب ودب ويعلق بها فتكبر مثل كرة ثلجية. ومثل هذه الكرة تكبر في وحول السلطة فئة من المنتفعين الذين تتساوق مصالحهم وتتناسق مع مصالح الاحتلال سواء كان ذلك في فتح او في حماس.
اذكر اني كنت في نيسان 1993 بمؤتمر في قبرص وكان علي ان اشارك في مداخلة حول وضعنا نحن هنا كأقلية قومية تعيش داخل دولة عملت وتعمل على اقتلاعها وتعادي وتنفي شعبها.. وكان علي ان اتحدث عن قضية اللاجئين بشكل عام وعن قضية مهجري الداخل بشكل خاص، وكانت قد زودتني اللجنة القطرية لمهجري الداخل بوثائق ومعلومات... وكانت المفاجأة حين توجهت إليّ شخصيتان مرموقتان في حينه وحتى الآن طالبتين مني إلغاء مداخلتي بسبب شيء كبير لا يمكن الإفصاح عنه.. هكذا خبط لزق... وبعد ان تم الرفض قطعًا وقلت لهما انني افهم ولا اوافق قال لي احدهما: أنت لا تريد ان تفهم.. واشاح بوجهه.. فأدرت قفايَ مشابهة النظير إلى النظير... هذا الحدث علّمني الحذر، فبعد مرور ثلاثة اشهر فقط إتضح ان وراء طلبهما كان مشروع اوسلو وبلاويه... وكانت هذه الفئة من رجال السلطة قد توهمت كما تتوهّم الآن ان اوسلو وتوابعه مفيد.. وان مثل هذه الشخصيات المرموقة لا تدري انه ما في لحية ممشطة مع الإحتلال مهما قطفوا الرأس. ذلك الحدث.. قبل ستة عشر عامًا يجعلني الآن اسأل ماذا وراء هذه الجريمة بحق صمود شعبنا المحتل منذ 67؟ كيف حدث ذلك؟ كيف ولماذا وماذا بعد أيضًا؟ ألا يعيدنا هذا إلى ما اثاره ابو اللطف قبل عدة أشهر بخصوص تلك الوثيقة التي تتعلّق بمصرع عرفات؟ أو على الأقل ان نعيد النظر في علاقتنا- نحن في الحزب والجبهة- مع السلطة! أو مع بعض المتنفذين بفتح وبحماس الذي تتساوق مصالحه في الانقسام مع مصلحة الاحتلال.
