كفى حروبًا

single

في الحرب الأخيرة على غزة، التي استمرت اثنين وخمسين يومًا، لم تتوقف صواريخ حماس عن ضرب ودك بلدات إسرائيلية.
سئمت العجوز من المكوث طويلًا، في احد الملاجئ في جنوب إسرائيل، فخرجت لتستبدل ما فيها من خوف وحزن وقلق.
لكنها لم تبعد عن الملجأ بضع خطوات حتى صرخ الزامور يحذر المواطنين خارج ملاجئهم طالبًا منهم الدخول فما كان من العجوز إلا أن رفعت يديها إلى السماء المشحونة بأزيز الطائرات وهي تصرخ بصوتٍ عالٍ (مسبيك ملحموت)  كفى حروبًا.
هذه العجوز المسكينة ليست وحدها التي عافت الحروب وتجار الحروب. بل عافها أكثر سكان شمال دولة إسرائيل وجنوبها وحتى مركز الدولة.
لان الأسلحة الجديدة الفعالة، والمتطورة مع الدول المجاورة ومختلف المنظمات، أصبحت قاب قوسين أو أدنى، تطال أكثر بقاع دولة إسرائيل. ونحن لا ولن نتجاهل الحالة النفسية التي تخترق جدران أعصاب ونفوس المستوطنين، والخوف والبلبلة لدى كل إنسان إسرائيلي في أي موقع داخل حدود دولة إسرائيل، في فترات حروبها مع الجيران.
هذه الحروب وما يعقبها من ويلات هي هي التي فتحت أبواب رحيل سكان شمال الدولة إلى الجنوب... إلى ايلات والمستوطنات تاركين خلفهم الحيوانات والبساتين التي يربونها
بعض السكان، وخصوصًا على حدود الدولة هاجروا إلى غير رجعة صوب أوروبا وأميركا وبلاد الله الواسعة. فهي الحرب وما أثقلها على السمع والبصر، حين تدور رحاها بين الفئات المتنازعة، تفرم الأخضر، وتطحن اليابس، وتحرق الاثنين معًا، وتهدم الدور فوق سكانها وما فيها من أثاث.
هي الحرب بين إسرائيل، وأهل فلسطين هنا داخل الوطن وبكل مكان يتواجدون. وبين إسرائيل وسوريا، وبين إسرائيل ولبنان، وبين إسرائيل ومصر، وبين إسرائيل والرموز الفلسطينية في العالم العربي والأجنبي.
الحرب مشتقة من كلمة الحَرَب ومعناها الهلاك في لغتنا العربية الأصيلة (أجمل اللغات العالمية المعترف بها في هيئة الأمم المتحدة).
فهل على مدى سبعة عقود خلت، أي منذ تأسيس الدولة وحتى هذه الأيام استطاعت إسرائيل إن تُخضع فئة ولو قليلة من الفلسطينيين، وترغمها على رفع العلم الأبيض... علم الاستسلام؟ ومن شاهد العلم الأبيض مرفوعًا فوق دار فلسطينية تسكنها ولو امرأة أرملة ترعى أطفالها الصغار؟
الشعب الفلسطيني لن يركع. وفوق الأطلال المهدمة في غزة، والبيوت التي دمرت لم تُرفع هذه الأعلام، خضوعًا واستسلامًا.
كم شاهدنا على شاشة التلفزيون الأمهات اللاتي فقدن أطفالهن في غزة (أم المعارك) يزغردن لاستشهاد أبنائهن أو أزواجهن!
وكم عشنا وشفنا الأطفال الفلسطينيين، بعمر الزهور، يَتَحدَّون الشرطة والجيش في الشوارع والمحلات العامة ويرشقونهم بالحجارة احتجاجا على السياسة السلطوية الظالمة ضد شعب فلسطين!
الشعوب المظلومة تستأسد، ولا يهمها حينئذٍ ما يُهْدم وما تخسر من شباب وشيب. فالضغط يولد الانفجار. والشعوب تثور على حكامها من ظلمهم وسياستهم التي تجرهم إلى المآسي.
وهل هنالك ظلم أبشع من احتلال ارض المزارعين الفلسطينيين والسيطرة وبناء المئات من المستوطنات اليهودية المتطرفة فوق الأراضي الفلسطينية؟
ثم إذا كان من السهل على السلطات الإسرائيلية المداهمات والاعتقالات اليومية بحجة المطلوبين، فلن يكون من الهين احتمال هذا الوضع المزري الثقيل فوق رقاب شعبنا المحتل. مع ان الشعب الفلسطيني كله مطلوب للتحقيق في مكاتب السلطات الإسرائيلية حتى الرئيس الفلسطيني متهم. وليس من المغالاة أيضا ان التعديات على المزارعين العرب وشباب وأطفال العرب أصبحت واجبًا قوميًا عند المستوطنين والمتعصبين والمتزمتين من اليهود.
ولا أظن كما قلت سابقًا ان تلك العجوز وحدها من بين الملايين من سكان إسرائيل التي انتفضت وصرخت: كفى حروبًا.
اغلب العقلاء والمفكرين أصحاب الضمائر الحية والنظيفة يودون السلام والاستقرار وقيام دولة فلسطين.
الكثيرون منهم يؤكدون ان إسرائيل رغم ما حققته من انتصارات إلا أنها لا تساوي ما تراكم عليها وحولها من عداوات، حتى على المستوى العالمي، فقد "نزلت عن الشارع" وتبخرت كل النواميس الإنسانية من مؤسساتها العسكرية وتغير تشبيهها من الحمل الوديع إلى الوحش الشرس. ومن "جيش دفاع" إلى جيش فاقد الرحمة والحنان، أطلق  نيران أسلحته المحرمة فمزقت وأكلت نيرانها العدد الكبير جدًا من أطفال شعب غزة الفلسطيني. وأما الذين لم يغرقوا في جهنم جيش "الدفاع" فهم في هذا الزمان يعيشون في عناء وأي عناء، لا مأوى لهم ولا غذاء ولا ماء ولا كهرباء ولا أمهات يرضعون من اثديتهن ولا آباء.
شقاء وأي شقاء يرزح فيه أهل غزة تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة.
يا لوصمة العار التي تلتصق بأبدان المجرمين في الحياة وفي الممات.
يا سيدتي لو اعرف من أنتِ، ومن أي بلاد أتيتِ، وكيف خُدعتِ وجئتِ، وأين سكنتِ، في إحدى المستوطنات من الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأرسلت لك العزاء على ما قدر الله وقضى. لكني اجهل عنوانك سابقًا ولاحقًا. وكلي ثقة انكِ إنسانة ضد الحرب وانك مع السلام. وضد المتطرفين من الشعب اليهودي وكثّر الله أمثالك.
أقولها من أعماق قلبي لأني على يقين انكِ منذ جئتِ وأنت في حرب مع نفسك، لان ولي أمرك في حرب.
وعلى أي حال، كونك تقفين على عتبة انتخابات الكنيست (الاستفتاء الشعبي حول السياسة الاسرائيليه المجنونة)، فلكِ حق اختيار الأنسب والأصلح من القوائم، تلك التي تعمل من أجل بناء مجتمع سليم وسالم من الحرب، وكلمة الحرب مشتقة من كلمة الحَرَبِ كما ذكرت آنفًا... والحَرَب أيتها العجوز الغارقة في بحور البلبلة والعناء معناها الهلاك.. والى لقاء آخر مع تحقيق الآمال والأمنيات.




 (دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

شخصية المعلم وتقييم عمله

featured

من هم حلفاء وأصدقاء الشعب الفلسطيني

featured

قانون القوميّة اليهوديّة: خطرٌ على وجودنا

featured

المتآمرون على القضية الفلسطينية!

featured

الهيمنة تجري في عروق النظام الأمريكي

featured

رحيل العم الحاج أبو زيد أحمد رجب الخطيب الاسدي

featured

محاولة تفتيت مفهوم الأمة والشعوب العربية إلى أين؟

featured

جذر يتعمق وفرع يسمو