تتجمع الأحداث الجارية مع طالع وتقدم الأيام في هذه الفترة العصيبة من تاريخ وكفاح الشعب الفلسطيني خاصة وامتنا العربية الخالدة عامة، رغم ويلات الحرب والدمار التي أحدثتها الحروب الداخلية وساهمت بها التدخلات والتآمر الأجنبي وبالتنسيق مع القوى المتأسلمة والإرهاب. وقد نجحوا في بعض الأماكن وبشكل جزئي ومنفرد، في جر شعوبنا ومكوناتها السياسية والمذهبية والدينية إلى محاولات التفسيخ والشرخ والتقسيم، ليس لأوطاننا المقسمة سياسيًا وجغرافيًا واقتصاديًا وإنما تقسيم المقسم للوطن الواحد في قلب الشعب الواحد، الذي هو جزء من مجموع الأمة. يهدفون إلى سياسة التكفير والتفتيت وبالتنسيق مع القوى الأجنبية والإقليمية ومحاولاتهم الجادة إلى خلق دول وهمية "دولة داعش" دولة سوريا السنية والعلوية والكردية والشيعية والقبلية وتمدد الفكر الوهابي برعاية سعودية وتعميق روح العشائرية في التجمعات العربية، من اجل القضاء على الروح الوطنية بإذابة مفهوم الوحدة والمقاومة للأجنبي والمستعمر.
الذي يجري هذه الأيام على يد قطاريز الاستعمار والصهيونية وخدامهم في السعودية وقطر وتركيا وبعض أنظمة الذل والعار هو محاولات رخيصة جدًا لتشويه صورة وجوهر الإسلام الحقيقي وحرفه عن مساره في محاربة ليس أعداء الإسلام وإنما أعداء التقدم والحضارة الإنسانية جمعاء. ما يجري هو محاولات تفسيخ الصفوف كشعوب وكأمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج. فوحدة الأرض يجري اغتصابها وتقطيعها بالقوة إلى كنتونات صغيرة لا وزن لها ولا حياة فيما يتعرض الانتماء العربي إلى هجمة شرسة داخليًا وخارجيًا ومحاولات استبداله بالانتماء الديني إسلامي مسيحي سني شيعي كردي أو علوي أو حنبلي وغيره. فوحدة اللغة تظهر وكأنها لم تعد تجمعنا لأننا نتكلم مع العالم الخارجي بعدة لغات متناقضة، ولأننا أصبحنا غير قادرين بل عاجزين عن التمييز بين وتحديد من هو عدونا من صديقنا، لدرجة ان اخوة لنا تحولوا إلى أعداء في تسديد الضربات لمجموع الأمة، وجاء الخريف العربي ليسهم في استباحة دماء الشعوب العربية باسم "الانفتاح والتغيير" ليغذي شعوبنا وحركاتنا وبعض أحزابنا السياسية "بمفاهيم وآليات جديدة للكفاح". دولنا وشعوبنا هي أحوج ما تكون لربيع حقيقي ديمقراطي نابع من صميم الشعب نفسه وليس لربيع أتى مبللا بالدم والدموع والمال الآتي من دول البترودولار، ان امتنا وشعوبنا عامة هي فعلا تحتاج إلى عمليات ليست تجميلية وإنما تغيرات جذرية لمجمل سياسة الحكام والرؤساء والأمراء والملوك والسلاطين العرب، التي تتربع على عرش الحكم منذ فترات طويلة جدًا، وأصبح وجودها في سدة الحكم ما هو إلا فساد وإفساد وحجر عثرة أمام تطور ورخاء مجمل الشعوب الأمة العربية، ولان استمراريتها في الحكم تأتي بطرق التسلط والديكتاتورية والقمع والإرهاب وانعدام الحرية والديمقراطية وفقدان موازين العدالة الاجتماعية وغياب الشرعية والقانون، ليحل مكانه نهج الفساد السياسي والمالي والعربدة وتفعيل البلطجة السياسية والقبلية وتجنيد أو شراء رموز الدين من مشايخ ودعاة لخدمة سلطة البطش وتثبيت الحاكم وحاشيته كي يصبح الشعار الآتي أنا الشعب والشعب أنا هو سيد الموقف وانتصار لسلطة العار المكدس على جبين الأكثرية الساحقة لهذا الشعب أو ذاك من مجموع الأمة.
مع غروب عام مضى واستقبال عام آخر يتكدس ويتجمع الهم العربي، وتصبح عملية الصراع الطويلة قابلة للانفجار في كل لحظة. هناك ضغط الحكام من سياسة قمع واضطهاد وجوع وهدر لكرامة الوطن والإنسانية، يقابلها ضغط القوى الخارجية والمؤامرات التي تحيكها الامبريالية والصهيونية بالتنسيق مع الرجعية العربية للحيلولة دون إحداث أية تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية في هذا البلد العربي أو ذاك، لكن قوانين تطور المجتمع، قانون وحدة وصراع الأضداد، وان كثر الضغط من الطبيعي ان يولد الانفجار الآتي حتمًا، والشعب الفلسطيني الذي يدفع يوميًا فاتورة الشهداء فاتورة الحرية والاستقلال، لن يهدأ له حال فالأمور تنحدر نحو الصدام الواسع مع حكومة نتنياهو والحركة الصهيونية. لقد خسر الشعب الفلسطيني وطنه وأرضه وشعبه مشتت في بقاع الأرض ومحاصر، دفع من دم أبنائه وما زال يدفع، فلم يبقَ شيء يخسره الا كرامته وحبه لنور الشمس، فلا مساومة عليها ولن يقع وحده عندها سيقع الجميع.
(كويكات/أبو سنان)