قد يرى بعضهم في ما فعله الرئيس المصري محمد مرسي دليلا آخر على تخبُّط الإخوان المسلمين، وقد ينسبُ التخبّط إلى قلّة الخبرة وغياب الرؤية المتبصّرة لحقائق الواقع وما إلى هذا من النواقص. وربما كان في هذا الرأي ما هو صحيح. أما الصحيح الأكيد فهو أن الرئيس وفريقه الحاكم يواصلان السير على نهجٍ، إن افتقر إلى أيّ رؤية سديدة فإنه لا يفتقر إلى تصميم واضعيه على المضيّ فيه حتى نهايته؛ وإن شابه التخبّط ففي تطبيقه وليس في العزم على إنفاذه بتمامه.
إخوان مصر المسلمون ظفروا بموقعهم في الحكم ثمرة جهود اتصلت على مدى عقود وعقود. وفي سياق هذه الجهود، نسج الإخوان تفاهمات مع جهات مصرية داخلية، ومع جهات خارجية، عربية وإسلامية وأجنبية. أهم التفاهمات، مما له صلة ببلوغهم قمة الحكم، هي هذه التي نسجوها مع المجلس العسكري المصري الأعلى، ومع حكام قطر والكويت ومن على شاكلتهم، ومع حكام تركيا، ومع الإدارة الأميركية وما على شاكلتها من الإدارات. التفاهم مع المجلس العسكري وفّر للإخوان الانتقال من الشارع إلى مقرّات الرئاسة والحكومة والمجالس التمثيلية؛ والتفاهم مع قطر وما على شاكلتها وفّر لهم التمويل وأجهزة الإعلام المؤثرة؛ والتفاهم مع تركيا وما على شاكلتها وفّر لهم ما يُسوِّغ دعوتهم إلى التعويل على الإسلام؛ والتفاهم مع الولايات المتحدة وفّر المساندة اللازمة التي بدونها لم يكن بمقدور إخوان مصر أن يظفروا بدعم المجلس العسكري واو بدعم قطر ولا حتى تركيا. وهذا التفاهم ذاته هو الذي جنّب إخوان مصر المسلمين أن يُعامَلوا من قبل الولايات المتحدة وحلفائها كما عوملت شقيقتهم "حماس"، أي بالاعتراض والنبذ.
غنيّ عن البيان أن هناك تطابقًا بين هذه الأطراف. وغني عن البيان، أيضا، أن الجماعة المصرية قدّمت لكل طرف تعهدات التزمتها مقابل ما حظيت به من دعم. والمشترك بين التفاهمات كلها تجسّد في أن لا تزيد حصة الإخوان في الحكم عن حصة الجيش الممثل بالمجلس العسكري، وأن تسلك الجماعة في نحو لا يُحرج داعميها، خصوصاً الولايات المتحدة، فتقبل إبقاء المظاهر المدنية للدولة وتكفّ عن الجهر بأن الدين هو الحل، وأن تطيع الولايات المتحدة حين يتعلق الأمر بجوهر السياسة الأميركية في المنطقة، فتبقي التزام مصر اتفاقيات كامب ديفيد، وتحرص على عدم استفزاز إسرائيل، وتمتنع عن تقديم أي دعم ذي بال للمقاتلين بالسلاح من أجل حرّية الشعب الفلسطيني، وتساهم في الجهد الذي يحول دون وصول السلاح إلى أيديهم، حتى لو كان هؤلاء المقاتلون من الإخوان المسلمين.
في مجرى تطبيق هذه التفاهمات التي يوجب بعضها على الجماعة أن تتطبع وتُطبّع مؤيديها بغير ما طُبعت عليه، ظل الطبع يغالب التطبع. وقد دفع الطبعُ إخوان مصر المسلمين دفعاً إلى تحقيق أطماعهم الكثيرة وبعيدة المدى، فأوقعهم هذا في إشكالات مع المجلس العسكري، حسموها بإرسال أعضائه إلى منازلهم، ومع قوى المجتمع المدني العديدة والمتجذرة، حتى مع القوى التي ساندتهم والتي رجّحت كفّة مرسي الإخواني في انتخابات الرئاسة على كفّة شفيق العلماني. ولم يتورع حكم الإخوان حتى عن إطلاق النار على متظاهرين ينتمون لهذه القوى.
أما مع الولايات المتحدة، فقد راهنت الجماعة على ما هو معروف في سلوكها. فهذه الدولة الطامعة في الهيمنة على العالم، وبضمنه مصر، تُفضل، خصوصاً في تعاملها مع دول العالم الثالث، الاتكاء على شخصيات وقوى غير ديمقراطية وغير محبوبة من القوى السياسية في بلدها. وقد وجدت الولايات المتحدة في ما يتجه الإخوان المسلمون المصريون إلى تحقيقه ما يؤهلهم لكي يصيروا الطرف الحاكم المبغوض من جمهرة شعبه والمضطر إلى أن يخضع للولايات المتحدة أكثر فأكثر كلما اتسع بغض شعبه له، وأن يخدمها أكثر فأكثر. ولهذا، جرى غض الطرف الأميركي عن تجاوز الإخوان المسلمين الحدود التي رسمتها التفاهمات السابقة لحصتهم في الحكم. وتلقَّف الإخوان مغزى غض الطرف هذا، وربما توصلوا إلى تعديل التفاهمات المعقودة سابقاً، وشجّعهم هذا كله، فشدّدوا جهودهم في اتجاه الاستفراد بحكم البلد وفرض هيمنتهم الكاملة على الدولة.
وفي رصد نهج الاستفراد بالحكم، لا يصح، إذاً، الحكي على أي مفاجأة في ما فعله الرئيس مرسي؛ فهؤلاء هم الإخوان المسلمون كما هم فعلا، بلا نقصان، وكذلك بلا زيادة. المفاجأة الوحيدة في الإعلان الدستوري الجديد تجسدت في توقيته وحده. فقد كان من المتوقع أن يطَّرد سعي الإخوان إلى فرض هيمنتهم الكاملة على السلطة القضائية ومعها الهيمنة التي يظنون أنها متيسّرة لهم على السلطتين الاخريين، التشريعية والتنفيذية، وأن يفعلوا هذا بالتدريج، حتى يثبِّتوا خطواتهم واحدة بعد أخرى، ويجعلوا ثبات كل خطوة منطلقاً إلى التي تليها.
أمّا ما حدث هذه المرة وجسّد المفاجأة فهو أنهم تعجّلوا إنفاذ العزم الذي يظهر خفاياهم، فأصدروا هذا الإعلان الدستوري، متوِّجين رئيسهم به فرعونا، ومفردين لأنفسهم مرتبة سدنة الفرعون الذين يطوّعون الناس لمشيئته ومشيئتهم.
في تفسير هذا التعجّل ترد أسباب كثيرة سيُشار هنا إلى اثنين منها فقط: الأول هو هذا الارتياح الأميركي غير المسبوق لدور الرئيس مرسي في كفّ ما عدّته الإدارة الأميركية أذى تصبّه جماعات المقاومة الإسلامية على إسرائيل. لقد كان في العدوان الإسرائيلي على غزّة أول اختبار حاسم الدلالة لمدى التزام مرسي وفريقه تعهداتهم المتصلة بإسرائيل. وبنتيجة الاختبار، منحت واشنطن إخوان مصر الإسلاميين ورئيسهم درجة الامتياز؛ فحُكْمُ الإخوان فعل ما كان يفعله حُكم مبارك، بالضبط، دون أن يتسبب بأي حرج للولايات المتحدة. والسبب الثاني هو ما طلبه صندوق النقد الدولي، كي يمنح مصر القروض التي طلبها حكم الإخوان، واضطرار هذا الحكم لقبول هذه الشروط. فإنفاذ شروط صندوق النقد الدولي هذا سيعني، بين الأشياء الأخرى الخطيرة التي يعنيها، رفع الدعم الحكومي عن السلع المعيشية، وسيستفزّ الغالبية الكبرى من شعب مصر ويدفعها إلى الكفاح.
بدمج هذين السببين يرتسم الفهم الأقرب إلى الصواب لتعجُّل حكم الإخوان المسلمين. التقريظ الأميركي أعطى الإشارة لإطلاق اليد، والخوف من رد فعل الجمهور على التدابير الاقتصادية المبغوضة فرض التعجل في إصدار إعلان يُلفِّق غطاء قانونيا لتدابير القمع الذي سيصدّ الجمهور. وكلّه ديمقراطية في ديمقراطية.
إزاء هذا الذي حصل وما سيتبعه، لا تجوز الاستهانة بقدرة الإخوان المسلمين في مصر على استكمال ما بدأوه. فهؤلاء يستندون إلى ما تفرزه كل أشكال التخلّف في البلد وما توفّره لهم من تأييد، ولديهم تأييد خارجي يوفر لهم ما يلزم من المساندة السياسية والمالية والإعلامية، كما أن لديهم هذه الخبرة الهائلة في مجال التلفيق والختل، وهم أكْفاء في ممارستها.
بكلمات قليلة: لا يجوز توفير أي جهد من أي نوع لمقاومة هذا الزحف الرجعي الخطير وفضح ما يتستر به من ادعاءات وأوجه سلوك ملفَّقة وخدّاعة.
