رفرفْ يا علم!

single

  "فرّ الدمع" من عينيّ عندما استقبلني عشرات الأولاد، من الصبيان ومن البنات، صباح الجمعة التاسع والعشرين من آذار 2013 في قاعة مكتبة عامة في قرية في الجليل وهم يلوّحون بالأعلام الفلسطينيّة الزاهية مثل أزهار البرّ في صباح نديّ، ليستمعوا إلى محاضرتي عن يوم الأرض. وكان بين المستقبلين فتاة جميلة مثل غزالة على سفح الكرمل رسمت علمين فلسطينيين على خدّيها الأسمرين فزاداها جمالا وبهاء وروعة، وبعث شبابُها وجمالُها في العلمين تألّقًا وحياة.. ولولا الحياء لقبّلت علميها!!
  كانت السلطات الإسرائيليّة، قبل الاعتراف المتبادل مع منظمة التحرير الفلسطينيّة، تحظر رفع العلم الفلسطينيّ وتعاقب كل من يمتلكه أو يتماهى معه قولا أو فعلا أو كتابة، وكم شابٍّ وشابّة من أبناء شعبنا اعتقلته وحاكمته وسجنته لأنه رفع علمًا فلسطينيًّا في مسيرة أو مظاهرة أو اجتماع، أو لانّ قوات الأمن عثرت على علم فلسطينيّ على صدره أو في بيته أو في حقيبته أو لأنه رسم علمًا على ورقة بيضاء أو على الجدار.
  حينما شاهدت هؤلاء الأزهار حملني بساط الذكريات، وحلّق في ثنايا السنوات الغابرة، وهبط في ثلاث محطات من العمر. وكانت المحطة الأولى في بلدة كفركنا حيث حوّل السيّد المسيح الماء إلى خمرة، والتي غنّى الشاعر إبراهيم طوقان لرمّانها، فقد ألقيت في أواخر السبعينات كلمة في مهرجان يوم الأرض قلت فيها، ملتفًّا على القانون الإسرائيلي، انّ الفلاح العربيّ الفلسطينيّ في الجليل والمثلث يحبّ البطيخ أكثر من جميع الفواكه والخضار التي ينتجها من حقله لانّ قشرة البطيخة خضراء مثل العشب الربيعيّ على سفوح الجليل، وتليها طبقة بيضاء ناصعة مثل الثلج على قمّة الجرمق، وتليها الثمرة الحلوة الحمراء القانية مثل شقائق النعمان في هضاب الروحة، ويتخللها البذر الأسود مثل الليل البهيم. وأضفت قائلاً: نحن نحبّ البطيخ ونحبّ ألوانه الأربعة يا خواجة مناحيم بيغن فهل ستحاكمنا حكومتك على هذا الحبّ؟
  وكانت المحطّة الثانية عندما كتبت قصّتي "العلم" في كانون الأول 1982 عن الطفل الفلسطينيّ الذي رسم علمًا ذا أربعة ألوان في يوم استقلال إسرائيل. وأقنعني رئيس تحرير "الإتحاد" يومئذ بعدم نشرها في الصحيفة كي لا نعطي السلطات ذريعة لإغلاق الجريدة، ولمّا علم صديقي الشاعر الكبير سميح القاسم بذلك أخذ القصّة منّي وأرسلها إلى صحيفة عربيّة تصدر في عاصمة أوروبيّة، ولكنّ رفيقي رئيس التحرير عاد ونشرها في الصحيفة في مكان بارز تضامنًا معي وتحدِّيا للسلطات الإسرائيليّة حينما صادروا كتابي "وردة لعينيْ حفيظة" واعتقلوني في صيف العام 1983 بتهمة التماهي مع "منظمة إرهابية" وتحريض الشعب على رمي الجنود بالحجارة.
  وأما المحطّة الثالثة فقط شاركت مع أخي الكاتب الكبير يحيى يخلف ومع سفير فلسطين في اليونان السيّد فؤاد البيطار - رحمه الله- في إحياء ذكرى يوم الأرض في مدينة أثينا في أواخر الثمانينات، وكان قانون تمير الإرهابيّ يومئذ يعتبر أي لقاء مع أي فرد من أعضاء منظمة التحرير الفلسطينيّة مخالفة جنائيّة يعاقب مرتكبها بالسجن لعدة سنوات. جلسنا، نحن الثلاثة، في أصيل ذلك النهار على منصة في ميدان واسع وكان العلم الفلسطينيّ الكبير يخفق عاليًَا فوقنا. وفي الغداة أعطاني أحد منظمي المهرجان مجموعة من الصور مع الأخوين يخلف والبيطار ومع العلم الفلسطينيّ الخفّاق.
  تأمّلت الصور وقلت بأسى: هذه الصور ستخلق لي متاعب في مطار اللد عند عودتي فأرجوك يا أبا الهيثم أن تحفظها أمانة عندك إلى ما شاء الله.
  واليوم، وبعد ربع قرن على ذلك اللقاء أظنّ أنه آن الأوان أن يعيد يحيى الأمانة إلى صاحبها وألا يخلف وعده!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

ارتفاع عدد جرائم القتل!

featured

أوباما ونتنياهو وغياب الموقف الجوهري

featured

شكرًا انه الاقتراح من "قاع الدست"

featured

التحدّي الأكبر

featured

ثورة الشعب لن تخضع للاستعمار

featured

العدوان الغربي ــ العربي على ليبيا: صنع القرار الأميركي (1-2)

featured

نتائج الحوار الفلسطيني في مواجهة مخططات التصفية الاسرائيلية!!