مرّة أخرى المشهد يتكرر، أميركا غاضبة، توتر في العلاقات بين الإدارة الأميركية وحكومة بنيامين نتنياهو، واشنطن تحذر وتنذر، حراك سياسي ما بعده حراك، تهديدات وتحذيرات في داخل حكومة نتنياهو.
ولكن في المرّة السابقة انتهى المشهد في غفلة، لينقلب كل شيء، وليظهر التوافق الأميركي والإسرائيلي، وليصبح مطلب الحد الأدنى بوقف الاستيطان "شرطا مسبقا غير مقبول"، كما أعلمتنا وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.
من غير المعقول أن نكون مطالبين بتصديق الرواية الأميركية الإسرائيلية الجارية الآن، بعد أن لم يمر سوى بضعة أشهر على الأزمة المفتعلة بين الجانبين الإسرائيلي والأميركي، وانتهت بنتيجة واحدة المزيد من الاستيطان، اجتياح واضع النطاق على أكثر المناطق حساسية في القدس المحتلة.
وكي لا نجعل الحديث في الهواء مبنيا على مجرد توقعات، نستعرض حقائق على الأرض تؤكد أن مسار الأزمة الظاهرة اليوم لن يقود إلى شيء، طالما أن الإدارة الأميركية لم تتبع أساليب ضغط فعلية، تعرفها جيدا لتلجم إسرائيل على الأقل، إن لم يكن وقف ممارساتها كليا.
على المستوى الإسرائيلي الداخلي، فنحن أمام اجماع صهيوني غير مسبوق من حيث حجمه حول سياسة الحكومة الحالية، وبالامكان القول إنه إذا كان الائتلاف الحاكم يرتكز على 74 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست، فإنه في كل ما يتعلق بالاستيطان في القدس تستطيع الحكومة الاطمئنان إلى 106 مقاعد، على الأقل، من أصل 120 مقعدا، إذا تم استثناء 11 مقعدا من الكتل الوطنية الثلاث الناشطة بين فلسطينيي 48، وكتلة ميرتس المكونة من ثلاثة مقاعد.
كذلك فإن الحكومة بحد ذاتها متراصة، ولا نلحظ فيها اي شرخ، وحتى الشرخ الذي كان في حزب "العمل" بزعامة إيهود باراك تلاشى كليا، ولهذا فإن نتنياهو يقود حكومة ثابتة بمستوى لم تشهده حكومات إسرائيل منذ العام 1988، ولهذا فالحديث عن أن الانتخابات برلمانية المقبلة ستجرى في موعدها القانوني، أي في خريف العام 2013.
والأهم، هو أن العناوين العريضة حول نقاط الخلاف، التي تظهر في وسائل الإعلام وليس على ألسن الأسماء الاولى، تتعارض مع سياسة نتنياهو شخصيا، و تتعارض مع مواقف وزراء "مطبخ القرار"، أو ما يسمى في إسرائيل "طاقم السباعية"، كما يؤكد ذلك وزير ما يسمى "التهديدات الاستراتيجية" موشيه يعلون، بمعنى أن نتنياهو الرافض مبدئيا لأي تغيير جوهري ومبدئي في سياسته، يحظى بدعم غير مسبوق في السياسية والشارع الإسرائيلي ككل.
أما عن الموقف الأميركي الرسمي، فيجب قراءته بحذافيره، فرغم مرور ثلاثة أسابيع على ما ظهر وكأنها أزمة بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي، إلا أن الموقف الأميركي يفتقد للجوهر المطلوب، ولا يوجد هناك مطلب حقيقي وحازم لوقف الاستيطان بجميع أشكاله ومناطقه، وعلى رأسها القدس المحتلة.
وما يثبت هذا الاستنتاج، هو سلسلة المواقف الأميركية الرسمية الواضحة في الأشهر الأخيرة، وأولها، رفض الطلب الفلسطيني بوقف شامل للاستيطان في الضفة والقدس، وقبول أميركي لمسرحية "تجميد الاستيطان" الإسرائيلية، على الرغم من أنه في هذه الفترة يجري بناء ما لا يقل عن 4500 بيت استيطاني في الضفة الغربية عدا القدس، وثانيا تبني الإدارة الأميركية للموقف الإسرائيلي باعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر، وعدم الارتكاز على التفاهمات الأولية التي كانت في آخر جولة مفاوضات بين حكومة إيهود أولمرت والقيادة الفلسطينية، رغم هشاشة تلك التفاهمات، وما ابقته من خلافات جوهرية.
وثالثا، رفض الإدارة الأميركية لممارسة ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية، من شأنه أن يقلب موازين قوى حتى داخل الحلبة السياسية والشارع الإسرائيلي، مثل، فرض تقييدات على الضمانات المالية الضخمة بقيمة 10 بلايين دولار، أو خصم ما من الدعم المالي السنوي الضخم بقيمة 3 بلايين دولار، أو فرض تقييدات على الاتفاقيات التجارية بين الجانبين.
عن "الغد" الاردنية
