بدأت تتكشف أمس وقائع جريمة قتل الشابين الفلسطينيين في منطقة نابلس، وبدأ يتضح أكثر فأكثر أن الشهيدين محمد وصلاح قواريق قتلا، حتى حسب شهادات جنود وضباط الاحتلال، بدم بارد.
وبات واضحًا أنّ القمع الاحتلالي الوحشي في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين ليس مجموعةً من "التجاوزات الموضعية"، بل إنه سياسة واضحة، تهدف إلى نزع فتيل الهبة الشعبية الفلسطينية بالحديد والنار (إقرأ/ي: الإرهاب)، ولكنها في نفس الوقت سياسة غبية: إنه ذلك النوع من الغباء الذي يميّز المحتلّ المتغطرس، الذي يعتقد أنّ ما لا يُفرض بالقوة سيُفرض بمزيدٍ من القوة. لقد فشلت هذه السياسة في فيتنام، وفشلت في جنوب لبنان، وستفشل فشلاً ذريعًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وفشلها منوطٌ أيضًا بصحوة قوى السلام الحقيقية في المجتمع الإسرائيلي، تلك التي نراها في الشيخ جرّاح وبلعين ونعلين. وصحوة هذه القوى منوطة بدورها بالدور الذي يمكن أن تلعبه جماهيرنا العربية في خدمة القضية الوطنية الكبرى، حتى لو جاء هذا الدور، آنيًا على الأقل، على حساب بعض "الحيّزات" المتبرجزة.
ويتزامن التصعيد القمعي والاستيطاني الإسرائيلي مع زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ولقائه اليوم مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما. فمع أهمية التغيّر، وإن كان تكتيكيًا وغير كاف، في الموقف الرسمي الأمريكي، إلا أنّ التجربة التاريخية والجديدة تؤكد أنّ الرهان الأساسي لا يمكن أن يظل معلقًا على حسن نوايا واشنطن، أو كوابح وجوامح أوباما ومشروع إصلاح الرعاية الصحية والتجاذب بين "إيباك" و"جي ستريت"، بل على الشعب الفلسطيني وعلى حراكه النضالي الميداني؛ ليس لأن لا حق لهذا الشعب في مقاومة الاحتلال بكل أنواعها، بما فيها العسكرية، وإنما لأنّ هذا الحق يجب أن يتلاءم وهدف سياسي. والهدف السياسي يجب أن يكون عزل إسرائيل دوليًا (وهو ما يحدث اليوم فعلاً، على الأقل على صعيد الرأي العام) وانتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية حقًا حقًا، حتى إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة في حدود 4 حزيران عاصمتها القدس.
فرغم قتامة الواقع اليومي، ورغم تربّع غلاة المتطرّفين في إسرائيل على سدّة الحكم، إلا أن الظرف مواتٍ أمام القيادة الفلسطينية لتحقيق الحلم الوطني الفلسطيني، وهو ما يتطلب منها - إلى جانب تفجير طاقات كل أبناء وبنات الشعب الفلسطيني النضالية ضد الاحتلال والاستيطان والجدار - إنهاء حالة الانقسام والتوصّل إلى استراتيجية تضع المصلحة الوطنية العليا، لا المصالح الفئوية-السلطوية، نصب أعينها، في رام الله وغزة على السواء، الآن الآن وليس غدًا!
