هكذا ظَهَر لي الفِعل "ظَهَر" اللازم نظريًا نحويًا متعديًا بامتياز، من خلال جولة لي في حدائق المشتقات. فيما الفعل "بَسَط"، مثلًا متعدٍّ نحويًّا، بينما هو لازم حدود تصرفه بين بَسط وتَبسيط.. فلا يغرّنّكَ المصدر "ظُهور" وأصابعه تمتدُّ ارتِدادات تتراوح بين مظاهِر كفيلة بخَنق الحقائق، وظَواهِر لها أن تُبدِلها من حالٍ إلى حال. فهو شبيهُ "قَلَب"المتعدي. وللعصرِ أن يشهد بأنّ هذا إعدام رحيم، وذاك سجنٌ مُكَيَّف. ولقد وضعتُ، قبل سنوات، خطًّا عريضًا بلونٍ فاقع كعنوانٍ لمقالةٍ نارية، وكانت السيدةُ العذراء، أيامذاك، في أوجِ نشاطها متنقلةً من ظهورٍ إلى ظهور، إمّا باكيةً وإمّا راجيةً... لتبقى على احتكاكٍ دائم بهوى اللحظة، فتُكوّن لي مادةً مثيرةً صالحة لتشكيل فكرة يُمكن معالجتها خلال وقتٍ تجويفه يعني تضييع بعض العُمر.
ورَسَخت السيدة الوقور في الأذهان ساحرة لا تمُرّ في مواسم أمزجتنا إلّا وتركت أثرًا عجائبيًا! وكأني بها فتاةٌ مراهقة تُعرضُ في مَعلَكة المتسكعين على أرصفة الإيمان المترنّح مع ميلان نحو السقوط، ممّا مكّنَ البِدَع المتنقلة في المناطق الروحية من النفوس من الإمساك بها من أيديها الموجوعة وهي مكبّلة بالهموم. هذا بالتزامن مع الامتلاء حتى التُخمة بنعمة المادة، من جهة، واستعارة التشكّي من الفراغ الأخلاقيّ من جهة أخرى. والطامّة الكُبرى هي أنّ الكُلّ عالمٌ بالنتائج جاهِلٌ بالأسباب!. وانتشرت ظاهرة التذمُّر من الخَلل القاتِل انتشار النار في الهشيم. لكن أحدًا لم يُحاول الاستدلال بحدسه ليدُلّ بالإصبع إلى أُمّ تدّعي أنها ما تركت أبناءها إلّا لتأتيهم بلبن عصافير الجَنَّة! بينما لبن عصافيرهم أقربُ إلى أقدامهم.
أما نجمة الظُهورات/السيدة العذراء فشاهدٌ صامتٌ على العُطل، ودليل مُلهَم. أما العلَةَ فجِدها بين هاتين الأُمَّين.
ونجَحتُ بالتسلل من دهاليز هذا الجَدَل المعتِمة، إنما بكثير من خدوش كادت تستحيل كُلومًا مع اتهامي غَمزًا خبيثًا غير مباشَر بالكُفر!! واختَرتُ تحَمُّل تبعات مجاهرتي بالرأي، وإن كُنت مجبرةً على المضيِّ بعكسِ حركة السير السائدة وما تجُرُّه من مخاطِر... فالعذراء "تُبَهدَل"، وتُبخَّس قيمتها بإقحامها في نقائص هذا العصر وقحطِه الروحي، لكن الله قد وهبنا العقل، خيّرنا ومضى إلى شؤونه الأخرى... وما علينا إلّا الإثبات بأنّنا أهلٌ للتميُّزِ بعقلٍ هو بعضُ عقله... واضطرني الجُبنُ إلى تخزيق أوراق دفاعي، وقد تعدّت حدود مقالةٍ تبدي رأيًا خارجًا عن مألوف الجرأة.
لكنّ ظَهَرَ ظَلّت تلاحقني، وتعترض كلَّ قولٍ أريد تمريرهُ حول الموضوع إياه، فأواجِه مع الكثير من التردُد بين تناول ظَواهِر أو مَظاهِر، وما يدور بينهما من علاقة لا تخلو من شُبهات قد تحتمِل تركيب ظُهورات على ظَهرِها...فأُمَزِّقُ الكلمات دفاعًا عن شجاعتي قبل تحويلها إلى حِبر... لأعود من حيث بدأت أشَدّ إصرارًا وعنادًا، مع تكريس قسط من الثقة للمجازفة بتناول الـ "ظهورات"بالمباشر، إنما تحت عنوان:
"بُقّ البحصة يا غُلام..."
وهي الجُملة المأثورة لكاهن أذِنَ لمرافقه، سليط اللِسان، ببَقّ البحصة من تحت لِسانه عندما دَعَت الحاجة (سلام الراسي). يومذاك مَررنَ بنا، وهُنَّ أربع أمّهات شابات ممتلئات بنعمة الحيوية والخُلق الحَسَن... فاستغربنا شطحَتهُنَّ، في هذا اليوم بالتحديد، من غير الأبناء والأزواج...وتبيّن لنا أنهُنَّ في رحلة صيد متنزّهات مؤكّدات في يومٍ ربيعيّ كهذا. تحَلفَصتُ مكاني متمسكةً بالبَحصَة تعقُر لساني كُرمةً للعيد وسُمعته، وحِرصًا على بهجتهِنَّ بعيدهنَّ التبشيريّ المـُشمس الدافئ المبارك، بينما هُنَّ ماضيات بدفعٍ رباعيّ بتناول الجديد من ظُهورات العذراء والتذكير بالقديم منها. هذا مع الحَقن المستمر بجرعاتٍ من الشرح المطوّل للفرق بين الخير والشَرّ!
وكان أن دَعَم أحد الأصدقاء البحصَة برشقة من اللَّباقة بتكرار دعوتهنَّ، بأسلوبٍ مؤدّب، لشُرب نخب العيد في ظِلال الدُّلب، وعلى وقع خرير سواقي وادي القرن. فتعفّفنَ وما حالَ حديثٌ دونهنَّ وإتمام المهمّة التي قطعنَ من أجلها المسافة من معليا نزولًا إلى موقع الدرابصة، سيرًا على الأقدام... فلعلهُنّ نسينَ أنَ كلّ نزلة مثل هذه "قبالها طلعة" تساوي عشرة كيلو مترات على الأقلّ.
ذكّرني الصديق لباقة أبي قبل عقدين وأكثر من رحيله، فتحلّيتُ بها واكتفيتُ بروايتي ما كان منه وقد طَرَق بابنا مُبشّرون بالمسيحية وبضائعها النظيفة من كُلّ عيب. (فلقد ظَننتُ أن اللبيبَ هذا من الإشارة يفهم، ولم يفهم)!! قلت: وبعد أن أتمّ واجب الضيافة الصيفية بعناقيدها الذهبية والخمرية الطازجة، وحبّاتها المنتقاة من كلّ شجرةٍ حجم ولون، طابَ لهم المقام وفاضَ الكلام... ولولا الحياء لطلبوا كؤوسًا من المـُدام... فاستعجلهُم المغادرة مع تقديم القهوة مُدّعيًا حرصه على وقتهم الثمين موضحًا أن بيتنا، بل حيّنا بكامله ليس بالصيد السَمّين، حتى أنه لا يكفي لقمة لجائع، خاصةً وأن أهله مسيحيون أصيلون أبًا عن جِدّ جِدّ... قالها بكامل الجِدّية، على عكسِ ما كان متوقعًا منه حيثُ الظَّرف لا يدعو إلى الترفّع عن نقدٍ مباشر، خاصة إن كان لا يُؤذي ولا يَلسَع.
تحلّى بالحِلم واكتفى بنُصحهم بالتوجُّه شرقًا إلى مستوطنة راس عباد اليهودية (البقيعة الجديدة)، وغيرها من القرى المجاورة التي لا تُدين بالمسيحية. ولم يفتهُ أن يؤدّي للعُلى واجِب التبشير بدينه الجديد، وهو ماركة مسجّلة باسمه يميّزه قانون إيمان بنُسخة معدّلة مذيّلة بالتوقيع رجُلٌ رَبُ أسرةٍ: فلاح ابن فلاح!! وعلّق بعد تواريهم: غلطانين بالعنوان ضائعين غرقانين وجايين يبيعوا المي بحارة السقّاين!!
وتبيّن أنهم، بعد سنين، قد ميّلوا حيث نصحهم ألّا يفعلوا... فوجدوا في حارات السقّايين مَن قد ضيّع المكاييل والطريق إلى مصادر المياه العذبة! أما أنت كمهتمّ فتكتفي بالتعليق سواء فهمت هؤلاء الرجال الدعاة أو لم تفهم. لكنك كزارعٍ تكاد النار تأتي على حقله، لا يمكنك ابتلاع استغراب خمسيني الرياح ينزل عليك فجائيًا بمظلة تحمِلُ أمّهاتٍ لم يرفّ لهنَّ جفن، وهنَّ يبشّرنَ بالخير والصلاح اَباءً وأمّهات كانوا في صفوف والديهم!... (وعُرفوا...).
ولم أستغرب لاحقًا إصابتي بذاك الدوار العنيد الذي كان له أن يُقعدني عن مواصلة مهمتي مع أبنائهنَّ كمدرّسة خصوصية، لولا تفهّمي وإصراري على الإدلاء بدلوي حيث اعتَبرتُ ذلك واجبًا، وكان أكبرهم سنًّا اَنذاك (يوم رحلة الصيد) لا يتجاوز السنوات العَشر!
أمّا اليوم، وبعد أن شَبَّ أبناء هؤلاء الخيّرات المناضلات، فقد فرّخت المهمةُ مهّمات، منها التشكّي مع الشاكين من ضياع وصياع "جيل المرجرين"كما يُسمونه! لكن ليسَ على حساب عقد حلقات كِرازة قد يتخلَّلُها خلال وقت القهوة... التطّرُق إلى البحث عن أساليب عجائبية لعلها تنفع في ضبط الوضع العلميّ والثقافيّ، وإعادة الفتيان والفتيات من الشَتات! أتُراه يخطُر لهؤلاء أن يعظوا عظَة المجرّب كيف يُسلّم الأطفال للعيد وتَرَفِه يلعَب بهم ويلاعبهم على طريقتهم وكما يرغبون؟!
إن كان قلبي مش على ولدي فليس من حقّي أن أرمي أخلاقه بالحجر.
فما هكذا، يا أصحاب، يقوّم الخير... ولا هكذا تُتناول العظمة... أو يُصوّر الرموز... أيها الحُكماء!!
