جيش الاحتلال الإسرائيلي: بين الفساد الأخلاقي والضائقة البشرية

single

نشأ الجيش الإسرائيلي على أنقاض العصابات الصهيونية المسلحة التي قامت بغزو فلسطين وتهجير سكانها سنة 1948، واعتمد عقيدة عسكرية تقوم على مبدأ الدفاع عن "حدود إسرائيل" ونقل المعركة إلى أرض العدو، والتفوق العسكري والاستخباراتي تحت شعار الجيش الذي لا يقهر. ولعب "جيش الشعب" كما أطلق عليه دافيد بن غوريون دورا مركزيا في صياغة شكل الدولة والمجتمع.
وراهن بن غوريون على قدرة المؤسسة العسكرية على تحويل المهاجرين من مختلف أصقاع العالم إلى "شعب إسرائيلي جديد" يحرس وجود الدولة الجديدة المحاطة بالأعداء من كل جهة. لذلك تم الاعتماد على الخدمة الالزامية الجماعية للرجال والنساء، سواء كانت متواصلة أو احتياطية، من سن الثامنة عشرة، حيث يمضي الرجال ثلاثة أعوام، والنساء عامين.
ويصل الجيش ‏‏الاحتياطي الإسرائيلي اليوم إلى نحو 445000 جندي، في حين يبلغ عدد جنود الجيش النظامي نحو 176500 جندي. وينظر الإسرائيليون، عادة، للخدمة في الجيش باحترام خاصة بالنسبة إلى معظم الشباب العلماني. فهؤلاء يعرفون أن عدم تجندهم يقلل من احتمالات قبولهم في وظائف نوعية لدى القطاعين الخاص والعام؛ غير أن أهالي هؤلاء الجنود يبذلون كل ما في استطاعتهم حتى لا يخدم أبناؤهم في وحدات ميدانية قتالية..
لقد تمكن هذا الجيش خلال نحو ربع قرن من تأسيسه من تحقيق عدة انتصارات على الجيوش العربية الرسمية، لكن مع تحوّل طبيعة المواجهات مع العرب من حروب تقليدية إلى حرب العصابات سواء مع المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية بالإضافة إلى انعكاس التحولات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية والإعلامية على بنية الجيش مما فرض عليه إجراء بعض التغييرات في مستوى الإستراتيجية العسكرية والسياسة الأمنية، الأمر الذي أضعف من قدراته كقوة نظامية مقاتلة في ساحات الحروب وتحول أدائه من "مدافع عن حدود الدولة"، إلى جيش احتلال يمارس أبشع أنواع القمع والتنكيل بالمدنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة دون أن يتمكن من تحقيق انتصارات نهائية فانهزم في لبنان عدة مرات وانسحب منها ذليلا كما لم يتمكن من مواجهة الانتفاضة الأولى ولا الثانية وانسحب من قطاع غزة ثم حاصرها انتقاما..
ونتيجة لكل تلك المستجدات والعوامل أخذ جيش الاحتلال الإسرائيلي يعاني من مشاكل نوعية، كتزايد حالات الأمراض النفسية والانتحار بين الجنود وتعدد حوادث سرقة السلاح من القواعد العسكرية، وسرقة حواسيب من سفينة "مرمرة" التركية بعد سيطرة الجيش عليها، إلى جانب عمليات التحرش الجنسي عن طريق العنف تجاه المجندات في الخدمة الإلزامية وعدم الشعور بالمسؤولية والعنف الداخلي المتمثل في التنكيل بالجنود من قبل الرتب الأعلى في الجيش.. واتساع رقعة العصيان في صفوفه بعد أن أصبح الجنود ينصاعون لأوامر الحاخامات لا لقادة الجيش، الأمر الذي يتناقض وقوانين المؤسسة العسكرية ويبدو، حسب أغلب الملاحظين أن هذه الظاهرة ستتفاقم ما دام هؤلاء لا يصغون إلى قادتهم بل إلى حاخاماتهم، خاصة إذا واصل الجيش تعامله مع المعاهد الدينية العسكرية.
أما آخر فضائح جيش الاحتلال فتمثلت في تهم ارتكاب إساءات جنسية ضد فتيان فلسطينيين تم اعتقالهم على خلفية قذف الحجارة، ثمّ فضيحة المجنّدة الإسرائيليّة التي التقطت لنفسها صورا إلى جانب فلسطينيّين مكتوفي الأيدي ومعصوبي الأعين، وقامت بنشرها على صفحتها الخاصّة بالفيسبوك، لتضع تعليقها أسفل الصّور المهينة: "أجمل فترة في حياتي"..
ويرى بعض المحللين الإسرائيليين، أن أخطر ما يواجه الجيش الإسرائيلي في الوقت الحالي هو ظاهرة رفض الخدمة العسكرية التي باتت تشكل خطرا حقيقيا على المؤسسة العسكرية نظرا لوصولها إلى الوحدات النخبوية في الجيش، وارتفاع نسبة المتهربين من الخدمة. وكان رئيس هيئة الأركان العامة للجيش، غابي أشكنازي، قد اعتبر الظاهرة بأنها "تنهش المجتمع والجيش في الوقت نفسه".
وبيّن تقرير قدمته قيادة الجيش للكنيست، مؤخرا، أن 23 في المائة من المجندين المطلوبين للخدمة يتهربون منها ولا يخدمون في الجيش، وأن 18 في المائة من الذين يلتحقون بالتجنيد الإلزامي يفرون أو يتذرعون بأسباب توجب إيقاف استمرار خدمتهم.
ويرى البروفيسور ستيوارت كوهين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار- إيلان، أن التملص من الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي لا يعتبر ظاهرة جديدة على الإطلاق. إذ ارتفعت نسبة الذين لا يخدمون في الجيش في الأعوام العشرين الفائتة باطراد حيث بلغت نسبتهم سنة 1980 نحو 12,1 في المائة ثم ارتفعت إلى 16 في المائة سنة 1990 لتصل إلى 23,9 في المائة سنة 2002 خاصة وأن من بين نسبة الـ25 في المائة من الذين لا يخدمون في الجيش هم من الشبان الحريديم "11 في المائة".
وحسب بيانات وحدة القوى البشرية بجيش الاحتلال الإسرائيلي، التي أوردتها صحيفة "هآرتس"، يتهرب حاليا نحو 5,700 شاب كل سنة، أي بنسبة 13 بالمائة من المرشحين للتجنيد في سن الثامنة عشرة، كما يقدر نفس المصدر متوسط الهاربين من التجنيد بداية من سنة 2019 إلى واحد بين كل أربعة إسرائيليين، كما سيتوجه نحو 12,600 من الشباب الإسرائيلي في سن التجنيد للتدين أو لطرق أخرى كطريقة للتهرب من التجنيد.
وكان رئيس أركان الحرب غابي اشكنازي، قد صرح مؤخرا بأنه في الفترة القريبة سيكون 50 في المائة، من مجمل الشبان في إسرائيل ممّن هم في سنّ الثامنة عشرة لا يخدمون في جيش الاحتلال، ويتشكل هؤلاء من 25 في المائة من الحريديم "المتدينين" و25 في المائة من فلسطينيي 48، الذين لا يسري عليهم قانون التجنيد الإجباري، باستثناء أبناء الطائفة العربية الدرزية، التي تفرض على أبنائها الخدمة بشكل قسري. ولكن من هم رافضو الخدمة العسكرية؟
يميز المعلق العسكري في الموقع الإلكتروني التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي بين نوعين من "التهرّب" من الخدمة العسكرية: النوع الأول أطلق عليه صفة "التهرّب الرمادي"، وهو الذي يحصل من قبل شبان مؤهلين من النواحي كافة للخدمة العسكرية القتالية غير أنهم يتوجهون إلى وحدات غير قتالية أو يتحررون من الخدمة العسكرية قبل إنهائها. وفي رأيه فإن معظم هؤلاء كانوا سيتهربون من الخدمة العسكرية لكنهم لم يفعلوا ذلك مخافة أن يوصموا بالعار اجتماعيا.
أما النوع الثاني فيتمثل في تدفق الشباب من ذوي الكفاءات العالية على الخدمة في الوحدات المختارة الأمر الذي يساهم في انخفاض مستوى الذين سينخرطون في صفوف الوحدات القتالية الاعتيادية في الجيش الإسرائيلي ويخلق أزمة في تنشئة ضباط صف وقادة وحدات في المستقبل.. وتقف وراء هذه الظاهرة عدة أسباب منها: الدينية والتي تتمثل في حصول عدد كبير من الشباب المتدينين "الحريديم" على إعفاء من الخدمة العسكرية بسبب انتسابهم إلى المعاهد الدينية وتعلمهم التوراة؛ والديمغرافية نتيجة قلة المواليد في الوسط اليهودي بالإضافة إلى تراجع مستويات الهجرة إلى إسرائيل.
واعتبر مسؤولون إسرائيليون أن تنامي هذه الظاهرة يُمثّل تهديدا استراتيجيا على الدولة وهو ما قد يُلغي نهائيا النظرية التي وضعها مؤسسو إسرائيل والقائلة أن الجيش هو جيش الشعب.
لذلك سعت المؤسسة العسكرية للبحث عن حلول لتجاوز هذا الخطر، إذ أخذ كبار الضباط بزيارة جميع المؤسسات التعليمية والإشراف على ورشات عمل تعليمية بعنوان "الطريق إلى القيم"، وذلك بهدف تعزيز تعبئة المتخرجين في وحدات النخبة التي تعمل في مناطق "معادية" مثل قطاع غزة ووضع حد للتراجع الحاد في صفوف التجنيد، ولتشجيع هذا الأمر تم الإعلان عن مكافآت مالية ستمنح للمدارس التي تساهم في تجنيد أكبر عدد ممكن من المتخرجين بالإضافة إلى مجموعة من الجوائز كان قد نشرها الجيش الإسرائيلي في وسائل الإعلام المختلفة. وتعتبر زيارات الضباط هذه جزءا من مشروع واسع النطاق يهدف إلى تعزيز العلاقات بين الجيش ونظام التعليم.
كما اقترح المحرر العسكري في صحيفة "هآرتس" مضاعفة عدد الحريديم في الجيش الإسرائيلي خاصة في الوحدات الميدانية القتالية إلى 300 في المائة، بالإضافة إلى التشجيع على انضمام الفتيات اللواتي يتذرعن بالتدين، واللواتي تصل نسبتهن إلى 20 في المائة.
أما الجنرال إليعازر شتيرن، قائد "قسم الموارد البشرية" في الجيش الإسرائيلي، فاقترح إعفاء الجنود المسرحين من الخدمة العسكرية من دفع القسط الدراسي الجامعي شريطة أن يحصل الذي خدم لمدة ثلاثة أعوام في الجيش الإسرائيلي، وطبعًا في إطار الوحدات القتالية، على ثلاثة أعوام تعليم مجانا وليدفع الذي لا يخدم في الجيش الإسرائيلي قسطًا دراسيّا كاملا.
ويظهر أن نظرية بيت العنكبوت، التي كان الشهيد ياسر عرفات، أول من تبناها، تحولت إلى قناعة عند بعض القيادات الإسرائيلية أيضا، ومن بينها النائب الأول لرئيس الوزراء، الجنرال في الاحتياط، موشيه يعلون الذي استشهد بها عند حديثه عن أوضاع الجيش الإسرائيلي. وتعني هذه النظرية أن الدولة الإسرائيلية دولة عظمى من الناحية العسكرية والتكنولوجية، غير أن المجتمع اليهودي المهاجر في إسرائيل هو مجتمع فسيفسائي يعشق الحياة ولا ينقصه أي شيء، لذلك لا يريد أفراده خوض الحروب، وعلى أساس ذلك اعتقد عرفات وبعده حسن نصر الله أن الدولة العبرية هي مثل خيوط العنكبوت، فمن الخارج يراها المرء قوية، ولكنها تبدو هشّة، لمن يعرف خصائصها الاجتماعية والنفسية والسلوكية.. لذلك فهي قابلة للتفكك والانشطار عند اشتداد الضغوط القوية عليها من قبل المقاومة النوعيّة.

 

* باحث تونسي

قد يهمّكم أيضا..
featured

هذا الشبل من ذاك الأسد

featured

المساواة ولا شيء غير المساواة

featured

العبر من إدانة قصاب

featured

الاحتلال يدمر الحاسة الخلقية الجميلة في الإنسان!

featured

أما لهذا العنف من آخر!

featured

لإسقاط الحصار وتعزيز المصالحة!

featured

ماذا تريد إسرائيل؟

featured

من أجل تحقيق دولي