ثلاثة مؤتمرات قطرية عقدت في أسبوع واحد، لمعالجة الاختلالات القائمة بين الوسطين العربي واليهودي في هذا البلد المبلي بكل تناقضات البشرية والعصر الحديث، الأول كان بمثابة يوم دراسي في الكنيست دعا إليه النائب أحمد الطيبي، والثاني كان في معالوت ترشيحا بدعوة من شلومو بن حبوط رئيس البلدية رئيس مركز الحكم المحلي، والثالث تم في كفر قاسم بمبادرة الجمعية لتشجيع وتطوير التجارة والصناعة في الوسط العربي.
في المؤتمرات الثلاثة، شاركت فيها قيادات رسمية مسؤولة من وزراء ونواب وشخصيات اعتبارية ومهنية، سلموا جميعاً كل من موقعه ومسؤوليته بوجود خلل وتمييز يعاني منه الوسط العربي طوال عشرات السنين.
عقد المؤتمرات الثلاثة يوحي بوجود اهتمام ما وقلق معاً، وبسياسة منهجية وخلل مزدوج خصوصاً في الوسط العربي المشلول أو فاقد القدرة على التقاط الكيفية في التصدي للسياسات الرسمية، وذلك من خلال عاملين: أولهما غياب الوحدة التنظيمية والبرنامجية وتحديد الأولويات، وثانيهما الفشل في اكتساب القدرة على اختراق المجتمع الإسرائيلي وكسب انحيازات لصالح مطالب الجماهير الحيوية.
أما الوجه الآخر لهذا الخلل فهو يتمثل في غياب قوى يهودية مؤثرة تنظر بواقعية وأهمية لمعالجة هذا الوضع المتأزم والقابل للانفجار في أي وقت، جراء تفاقم عملية التمييز وشيوع مظاهر الظلم على كافة مستويات الوسط العربي، بما فيها الوسط الدرزي الذي دخل إضراب مجالسه المحلية 12 الشهر الثاني على التوالي بدون أي ردة فعل رسمية تصل إلى مستوى الاهتمام الجدي بهذا الوسط الذي تؤكد الأحداث والوقائع أن التمييز الواقع على الوسط العربي يشمله، وأن سياسة الانعزال الدرزية عن الوسط العربي غير مجدية، فضلاً عن تعثر المحاولات الفاشلة للاقتراب من الوسط اليهودي أو التماثل معه.
إن مجمل المجالس المحلية العربية وصلت إلى شفا الانهيار بسبب مواصلة سياسة التمييز والإمعان الرسمي في تهميش هذه المجالس، ولذلك فقد عقدت سكرتاريا اللجنة القطرية اجتماعاً طارئاً لها يوم الثلاثاء 7/7/2009 ودعت إلى عقد المجلس العام لرؤساء السلطات المحلية العربية لجلسة خاصة لبحث وإقرار سلسلة إجراءات اجتماعية تصعيدية لمواجهة الأزمة التي تعاني منها وعدم التجاوب الرسمي مع مطالبها.
المؤتمر الأول الذي عقد في الكنيست، تم كما ذكرنا بمبادرة النائب أحمد الطيبي عضو لجنة المالية البرلمانية بالتعاون مع مركز مساواة، واللجنة القطرية لرؤساء مجالس السلطات المحلية العربية، وحضره رئيس الكنيست روبي رفلين ووزير المالية ونواب عرب ويهود وممثلو السلطات المحلية العربية.
افتتح المؤتمر (اليوم الدراسي) النائب الطيبي بقوله "إن تقليص هبات الموازنة سيعمق أزمة السلطات المحلية العربية والحكومة مسؤولة، وحمل الحكومة مسؤولية التقاعس في بناء المناطق الصناعية في الوسط العربي" وأشار إلـى "أهمية المعركة على ميزانية الدولة" ولفت الانتباه مثلاً إلى أن "ميزانية الزراعة في الوسط العربي هي صفر في الموازنة العامة للدولة، ما يؤكد على تجاهل الميزانية لاحتياجات المواطنين العرب في الدولة".
وكشف تقرير أعده أمين فارس من مركز مساواة أن 5% من ميزانية التطوير الحكومية للعامين 2009 و 2010 مخصصة للوسط العربي بينما كانت 7% في ميزانية 2008، وقد اعترف وزير المالية يوفال شتاينتش أمام المؤتمر "بالفجوة الاقتصادية بين المجتمعين اليهودي والعربي" وقد علق رئيس الكنيست بقوله "إن التمييز في الميزانيات ليس سرياً، ولا أتوقع من العرب ترديد النشيد الوطني الإسرائيلي، ومع ذلك مطلوب من الحكومة رصد الميزانيات بالشكل المتساوي".
وفي المؤتمر الثاني الذي عقد يوم الثلاثاء 7/7/2009، في مدينة معالوت ترشيحا، وحضره سلفان شالوم نائب رئيس الحكومة وشالوم سمحون وزير الزراعة، وأفيشاي برفرمان وزير الأقليات، ونواب عرب وشخصيات مختلطة، ودعا إليه شلومو أبو حبوط رئيس البلدية رئيس مركز السلطات المحلية، تحت شعار "من الأزمة إلى النمو" ويهدف إلى تحقيق التعايش والتعاون بين الوسطين العربي واليهودي، قال فيه راعي المؤتمر:
"لقد تعودنا على مدار عدة سنوات استعمال كلمة العيش معاً تعبيراً عن تطلعنا ورغبتنا بالتعاون والتآخي بين اليهود والعرب، لقد أدركت بمرور السنين أن المشاركة يجب أن تأخذنا إلى طريق الحياة المشتركة حيث يستطيع الناس الذين ينتمون إلى أصول عرقية أو دينية مختلفة العيش معاً في أجواء من التطور والأمان والاحترام المتبادل والعمل بتعاون" ويضيف شلومو بن حبوط "تعتبر معلوت ترشيحا مدينة مشاركة حيث تشارك فيها بلدتان، يهودية وعربية، ليس بصيغة المدن المختلطة بل بصيغة مشاركة وتعاون تجمع بين مجتمعين لكل منه تراثه، ولذلك أصبحت المدينة رمزاً ونموذجاً يحتذى للحياة المشتركة بتآخ واحترام متبادل".
أما المؤتمر الثالث، فعقد في مدينة كفر قاسم يوم الأربعاء 8/7/2009 بمبادرة الجمعية لتشجيع وتطوير التجارة والصناعة في الوسط العربي، والهدف منه إطلاع المسؤولين والجهات الحكومية المسؤولة على الكوادر والطاقات الموجودة لدى المجتمع العربي في إسرائيل، وقد حضره العديد من رجال الأعمال والجمعيات المتخصصة ورؤساء مجالس محلية والوزير أفيشاي برفرمان الذي أعلن في كلمته:
"إن دولة إسرائيل وعلى مدار 61 عاماً أهملت الوسط العربي في مختلف مجالات الحياة بما في ذلك النواحي الاقتصادية، حيث لم يكن أي اهتمام ولا أية مبادرات في التخطيط أو في الميزانيات ولا في التنفيذ من قبل حكومات إسرائيل المتعاقبة لتطوير الاقتصاد في الوسط العربي، إن كان من خلال المبادرات التجارية أو بناء المناطق الصناعية، ولذلك حان الوقت ( كما قال الوزير) لأن تقوم حكومة إسرائيل ومختلف الجهات والوزارات الحكومية المسؤولة في بناء البنية التحتية للمناطق الصناعية في الوسط العربي داخل إسرائيل".
النائب العربي عن الحزب الديمقراطي طلب الصانع علق على هذه المبادرات بقوله: "هناك أهمية كبرى في التشديد على التعايش، والواقع أن المقولة إن ما يسيء للعرب هو جيد لليهود والجيد لليهود هو سيئ للعرب هي مقولة خاطئة، فالجيد هو للطرفين والسيئ يعود على الطرفين، وهذه المؤتمرات هي جزء من عملية بناء مجتمع مبني على احترام الآخر، ولا أرى في المقاطعة حلاً، ويجب أن نسمع كلمتنا، وتجنيد رأي عام يهودي إلى جانب قضايانا العادلة وفي طليعتها قضيتا المساواة في إسرائيل والاستقلال لفلسطين، ويجب أن نفهم ونتصرف على أساس أن الشارع اليهودي ليس عنصرياً كله مثل مارزل، فهناك قوى يسارية وواقعية ومعتدلة ممتازة يجب العمل معها والتحالف مع مصالحها خدمة لمصالحنا المشتركة بيننا".
قد تكون الصدفة هي التي جمعت هذه المؤتمرات في أسبوع واحد، ولكنها صدفة تدلل على وجود اهتمام ورغبة وتطلع، أولاً لدى قادة الوسط العربي لأن مصلحتهم في العمل وفي إزالة الظلم وفي تحقيق المساواة بدون إطلاق رصاصة واحدة وقذف حجر واحد وبدون تكسير إشارة مرور عامة، وذلك عبر الحوار والإقناع ورفع الصوت وكسب الأصدقاء والاحتكام إلى المعايير الإنسانية والديمقراطية.
وثانياً لدى قادة الوسط اليهودي الذين لا يستطيعون التغافل عن الواقع المرير الذي يعيشه العرب، وبعد أن وصل الصوت إلى الرئيس الأميركي وانعكس ذلك على مضمون خطابه في جامعة القاهرة يوم 4 حزيران 2009، وزيارات سفيره في تل أبيب لكل من الناصرة والنقب.
ثمة تطورات مهمة يجب استثمارها وبرمجة خطوات منسقة تراكمية ينبغي أن يبادر إليها كل من لجنة المتابعة ولجنة رؤساء السلطات ونواب الكنيست والأحزاب وقادة الوسط العربي من المهنيين والأكاديميين وقادة المجتمع المدني لحماية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم ولا شيء غير ذلك.
