استخدم لوكاش مفهوم التشيؤ بدلاً من مفهوم الاستلاب، وعاد إلى كتابات ماركس الشاب ليمنح الوعي الطبقي دورًا فعالاً في التأثير على الوضع التاريخي وتحويله، واعترض على مقولة أن الطبقة البروليتارية في تحريرها لنفسها ستحرر البشرية جميعًا
شهد النصف الأول من القرن العشرين انتعاشًا لافتًا في حقل التنظير الاشتراكي الماركسي. وظهر مفكرون تركوا أعظم الأثر في وعي أجيالهم. وكانت لهم أدوارهم في النضال السياسي، إلى جانب إبداعهم الفكري والفلسفي. وما ميّز نتاج بعضهم هو أنهم لم يركنوا إلى التفسيرات الدوغمائية الرسمية للماركسية، بل حاولوا أن يستكشفوا في مساحات بكر ويؤسسوا لمنظوراتهم وأجهزتهم المفاهيمية ويجتهدوا، لا في التفسير وحده، وإنما في النقد حتى ولو طال رموزًا وإيقونات كان المساس بها من المحرّمات. وهؤلاء طوّروا النظرية واقترحوا ستراتيجيات للتطبيق بما يتلاءم ومتغيرات العصر المادية والفكرية.
شغل جورج لوكاش (1885-1971) الفضاء الفكري الماركسي الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين هو ولد في بودابست/ عاصمة المجر. التحق بحركات اشتراكية مختلفة ثم انضم للحزب الشيوعي. عاش شطرًا من شبابه في ألمانيا، ومن ثم في موسكو. عُيّن لمدة وجيزة وزيرًا للثقافة في حكومة ايمري ناجي، في هنغاريا/ المجر بعد ثورة 1956 على الرئيس راكوشي، والتي سحقتها قوات حلف وارشو، لكنه نجا من الإعدام.
عُرف لوكاش بأنه مؤسس نظرية علم الجمال الماركسي، وأحد أهم المنظّرين في حقل الأدب. وكتاباته عن الواقعية الأوروبية وتوماس مان والرواية التاريخية تضعه في مقدمة أعلام النقد الروائي في القرن العشرين. غير أن هذا جانب واحد فقط من مساهماته الفكرية. فلوكاش فيلسوف له أهميته وتأثيره على كثر من المفكرين والفلاسفة ، من مجايليه ومن الأجيال اللاحقة منهم هيدجر وكارل مانهايم وأقطاب مدرسة فرانكفورت ( أشهرهم ماكس هوركهايمر وتيودور اودورنو وهربرت ماركوز) وبصماته واضحة على كتابات لوسيان غولدمان وجان بول سارتر.. أثرى الفكر الماركسي بتناوله المفاهيم والإشكاليات النظرية عبر منظور يختلف عن منظور الماركسيين التقليديين، ولذا وُصم بالتحريفية.
ففي مقابل التأويل الستاليني ـ الجدانوفي أعطى تأويلات مغايرة ورسّخ قواعد نظرية ماركسية أخرى متأثرة بفلسفات (الذات) الغربية مستلهمًا فيها، لا ماركس وحده، وإنما هيجل أيضًا. معيدًا الاعتبار للروح الجدلية في الماركسية. ولعل كتابه (التاريخ والوعي الطبقي) أكثر أعماله نضجًا وسعة أفق من هذه الناحية. وفيه يقول؛ "إن الماركسية الأصلية لا تعني تسليمًا أعمى بنتائج بحث ماركس، ولا تعني الإيمان بنظرية أو بأخرى ولا تأويل كتاب مقدّس. إن الأصالة نسبة إلى الماركسية ترجع، على نقيض ذلك، إلى المنهج بشكل حصري".
جعله هذا، في نظر الشيوعيين الأرثوذكسيين، ماركسيًا لم تتم بلشفته كما ينبغي، "وهرطوقًا على الصعيد الفلسفي، بمعنى أنه كان يساريًا هيجليًا وليس ماديًا". كما يقول جورج لختهايم مؤلف كتاب ( جورج لوكاش ).
يضيف لختهايم؛ "إن نوع الماركسية التي ادّعاها لنفسه لها نغمة نخبوية. إن صيغة لوكاش برفعها ( الطليعة ) إلى مصاف الحقيقة التاريخية المستقلة التي وحدها تضم الوعي الحقيقي للثورة اللينينية قد أصبحت غير قابلة للاتفاق مع تمجيد روزا لوكسمبورغ الرومانسي للحركة الجماهيرية". ففي كتاب ( التاريخ والوعي الطبقي ) حاول حل تلك المعضلة الكامنة في العلاقة بين النظرية والتطبيق. وقد رأى أن وعي البروليتاريا بالقوانين التي تحكمها وتحكم مسيرتها هو فاعل تاريخي، والتاريخ لا يتحرك إلاّ عبر التفاعل بين الذات والموضوع، ويغدو الوعي داخل التاريخ، لا خارجه. وبذا يؤدي وعي البروليتاريا بواقعها حيث حولتها الرأسمالية إلى بضاعة، إلى أن يمثِّل المبدأ السالب الذي يرفض هذا الواقع وشروطه، ليتحرر من التشيؤ.
إن جدلية الممارسة، بحسب لوكاش، تنشأ من عمليات الأخذ والرد بين الذات والموضوع.. بين الوعي والوجود من غير أن نعطي للموضوع أولوية على الذات، وللوجود أولوية على الوعي. وهنا لم يقل مع هيجل أن العقل هو الذي يحرّك التاريخ، بل أن التاريخ هو نتاج جدل الذات والموضوع، وجدل الوعي والوجود والتاريخ. وهذه الجدلية تضع الحرية داخل الضرورة، لا في تضاد معها.
شكك لوكاش بفهم أنجلس لكانط وهيجل، ووصف مادية عصر التنوير بأنها "الشكل الإيديولوجي للثورة البرجوازية". ولم يقتنع بأن للماركسية صلة بالعلوم الطبيعية مزيحًا بذلك "حجر الزاوية في البناء اللينيني". وطالما كانت المادة أو (الطبيعة ) في نظر أنجلس تسبق الروح. أو "أن الروح فيض أو انبثاق من المادة. ومثل هذه التأكيدات لا يمكن إثباتها أو دحضها". فإن المادية عندئذ لن تعود نظرية للمعرفة "بل تصبح نظرية غيبية عن العالم".
تجلت أصالة أفكار لوكاش من خلال فهمه جوهر الديالكتيك الهيجلي ويلخّص لختهايم وجهة نظر لوكاش من هذه الزاوية بالقول؛ "أن المادية والروحية هما أطروحة ونقيضها، وذلك لخلاف يعود إلى عدم القدرة على تخطي الانفصام بين الذات والموضوع. والحل لا يكون في إيثار الواحدة دون الأخرى، بل يتجاوز موضع الخلاف، وهذا يتم بالسير على خطى ماركس في معالجة التطبيق على أساس أنه الاتحاد المادي بين الفكر والواقع". فلوكاش أحيا فكرة هيجل حول تطابق الكينونة والوعي في النهاية. وهنا يكون "من المعقول أن يرد عنصر الوعي الذاتي إلى الطبيعة". وهذا نوع من التخلي عن المادية بالمعنى الضيق الذي روّج له الماركسيون اللينينيون الذين هاجموا لوكاش لأنه أدخل "مفاهيم مثالية إلى الماركسية" بحسب وجهة نظرهم.
استخدم مفهوم التشيؤ بدلاً من مفهوم الاستلاب. وعاد إلى كتابات ماركس الشاب ليمنح الوعي الطبقي دورًا فعالاً في التأثير على الوضع التاريخي وتحويله، وكيف يمكن في ظل شروط وظروف معينة أن تكتسب "فيها الثورة الفكرية صفات القوة المادية". واعترض على واحد من أكثر الأفكار الماركسية رواجًا، والقائل بأن الطبقة البروليتارية في تحريرها لنفسها ستحرر البشرية جميعًا، على الرغم من ادعائه بأن "الثورة البروليتارية هي مفتاح لفك لغز التاريخ". وكان ديدنه الوصول إلى "تحليل ماركسي يلتزم بالحقائق، ولا يشجب التراث الهيجلي باسم العلم. وفي ذلك الوقت من عشرينات القرن العشرين حين نشر كتابه (التاريخ والوعي الطبقي/ 1924) كان تيار من اللاعقلانية يسود أوروبا ممهدًا لصعود الفاشية.. ويقول لختهايم "ولو ان لوكاش تمتع بشخصية قوية تدعم موقفه عوضًا عن التزامه بالسكوت، ومن ثم تنكره لآرائه الأولى في ما بعد، فلربما استطاع أن يبني سدًا في وجه الفيضان المتدفق من اللاعقلانية".
عاش لوكاش في ظل ظروف سياسية ملتبسة، صعبة، واضطر أحيانًا ألا يكون نفسه، بطرحه لأفكار مثيرة للجدل، لا تتساوق مع نظرته العلمية الدقيقة.. "لقد ارتدى لوكاش أقنعة كثيرة أثناء حياته ومثّل أدوار خداع مدروسة ومجاملة وتحقير ذات لافتة للنظر حتى بالنسبة إلى مقاييس بيئته المختارة، ولكن عبر ذلك كله لم يذهب بعيدًا أو طويلاً عن هدفه الأولي: نظرية علم جمال تقدّم إلى العالم الجديد للاشتراكية الأوروبية الشرقية ما قدمته المثالية الألمانية بشكل خاص إلى العالم البرجوازي". هذا ما يقوله مؤلف كتاب (جورج لوكاش) جورج لختهايم.
كان لوكاش يخضع إلى ضغوطات عديدة ترتبط بحقبة الطغيان الستاليني ومتطلبات الحرب الباردة، جعلته ينحدر، في فترات مختلفة، إلى نوع من السكولائية الجامدة، والمستوى الجدانوفي. وغالى أحيانًا في تمجيده لينين وستالين، على الرغم من أنه سيقول بعد شجب خروشوف لستالين في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي؛ "لابد من إخضاع دوغمائية ستالين ودوغمائية العهد الستاليني لأشد النقد قساوة" من غير إنكار "إنجازات ستالين الإيجابية كما يؤكد. وفي مؤلفه (تحطيم العقل) عمل على نقد التراث الفلسفي الألماني، لاسيما الجانب اللاعقلاني فيه، والذي قاد، في النهاية، إلى النازية وما خلّفته من مآس وويلات.
كان لوكاش يبحث في فحوى السؤال؛ إذا كانت الحقيقة يمكن الوصول إليها بوساطة العقل، فلماذا وكيف سادت اللاعقلانية؟ "ولماذا يكون لها في بعض الأحيان قوة لا تربك المفكرين الأفراد فحسب، بل ثقافات بأكملها؟" وقد سعى لربط الصراع بين العقلانية واللاعقلانية بالصراع الطبقي. وتجد هذه الفكرة صعوبات جمة وتواجه أسئلة حاسمة، منها: لماذا لم تتحول أوروبا البرجوازية كلها إلى الفاشية؟ وما علاقة محن ألمانيا بموقفها من الثورة الفرنسية؟. ويعد لختهايم كتاب لوكاش (تحطيم العقل) عملاً فاشلاً لأنه لم يحقق الهدف الذي حدده مؤلفه له.
