هذا الاضطهاد والقمع والكبت والحرمان يهيئ الفرصة في بروز وخلق شكل معين من أشكال رد الفعل والتطرف، هذا المسخ المسمى الإرهاب لا يستطيع ان ينمو ويكبر بدون توجيه ودعم مباشر من الامبريالية الأمريكية وحلفائها الأوروبيين والإسرائيليين، ولا يستطيع هذا الإرهاب الداعشي ان يتمدد ويبسط نفوذه على أجزاء واسعة من الأراضي بحيث يتخطى الجغرافيا السياسية ليمتد إلى دول في آسيا وإفريقيا وغيرها ليصبح عابرًا للقارات، ومرة أخرى يجري من تحت الستار حماية هذا العدو الذي يهدد البشرية، من خلال توجيهها سياسيًا ورسم السيناريو من خلال دب الخلاف على الصعيد العالمي بحجة الحفاظ على الدين والتمسك بالعقيدة الدينية كأساس لحل وتطبيق الشرع بمفهوم العصابات وسرقة ثروات الشعوب وتدمير حضارتها، كما جرى في الموصل وتدمر وأفغانستان، والهدف الأخير الذي يسعون من يقفون وراء قوى الإرهاب، هو تقسيم الباقي المقسم من البلاد والأوطان العربية والشرق الأوسط إلى دويلات وإمارات صغيرة تتقاتل مع بعضها البعض، وتقطيع أوصال الشعوب واضطهاد الأقليات العرقية إلى حد الإبادة الجماعية، كما حدث للازيديين في العراق. يعني ترك وبناء شرق أوسط جديد كما يحلو وحسب ذوق الأمريكيين وحلفائهم الأوروبيين وحكام إسرائيل.
هل من المعقول ان الولايات المتحدة ودول شمال الأطلسي والآخرين في تحالف الغرب وهم الذين يملكون اقوى ترسانة من السلاح الأكثر تطورًا من السلاح النووي إلى الفضاء الكوني وكل ثروات العالم تحت تصرفهم ويسيطرون على دول وقارات بكاملها. كل ذلك ولغاية الآن، لم يتم وضع حد لحروب وعمليات القتل والإرهاب. أو ان الحرب على الإرهاب كما يدعون لم ننتهِ وستأخذ وقتًا أطول، أصلا الحرب على الإرهاب لا يمكن الانتصار عليها بالقوة العسكرية، ولأنها صنيعة أجهزة المخابرات في الدول الغربية والولايات المتحدة، ثم لم يتم القضاء عليها إلا بعد تأدية وظيفتها بالكامل. أما الذي يجري اليوم ما هو إلا عمليات تأديبية أمريكية أوروبية لقادة التنظيمات والقادة الذين يفكرون بالخروج عن سيناريو المخابرات والسياسة الأمريكية وحلفائها في كل من السعودية وتركيا وإسرائيل وغيرهم، فلو أرادت الولايات المتحدة وحلفاؤها في كل من تركيا والسعودية ان يقضوا على تنظيم داعش والنصرة وغيرهما، لكانت أمريكا ومن معها قد أوقفوا الدعم الشامل لهذه القوى الإرهابية، فحدود تركيا اردغان مفتوحة بالكامل لمجمل حركة الإرهاب على كل من سوريا والعراق، في الوقت الذي يجري بيع وتسويق النفط السوري والعراقي المنهوب على أيدي إرهابيي داعش وغيرهم، بالمزاد العلني وبأسعار اقل من السوق العالمي، للتجار الأتراك والشركات العالمية والسماسرة الغربيين.
الولايات المتحدة وحلفاؤها المخلصون أرادوا ان يلعبوا ويتحكموا في مجرى التطورات العالمية والتأثير على أجواء الصراع المتجدد والمحتدم اليوم بلعبة جديدة أسموها فرضية الخوف أي تخويف الشعوب والأمم والقوميات من نفسها. أي خلق عدو داخلي في محاولة لتأليب الشعوب والقوميات والأديان على بعضها البعض، وهذه لعبة الاستعمار القديمة ولكن المتجددة في سياسة فرق تسد، لعبة اليوم في غاية الخطورة لان انفجارها وتتطاير شررها قد يطال كل مشعليها، لان عالم اليوم هو عالم متغير ومتحرك بسرعة في مختلف الاتجاهات، ومن السهل إشعال النيران التي ستأكل الأخضر واليابس، ولكن ليس من السهل إذ تمكنت هذه النيران من التهام المساحة الأكبر، عندها من المستحيل إيقافها والسيطرة على اللهيب المتصاعد منها.
من الجدير القول ان الإرهاب صفة ملازمة لحياة وتطور الرأسمالية إلى مرحلة الامبريالية، ولا تستطيع ان تحافظ على نفسها وسيطرتها إلا من خلال العنف والاضطهاد والإرهاب المنظم، ضد منافسيها وأعدائها. فالامبريالية ومعها ربيبتها الصهيونية وأعداء التحرر من التدخل المباشر وإرسال طوابير الجيوش والمعدات إلى مناطق الصراع، انتقالا إلى حالة يتم فيها زرع وتشغيل وتفتيت وحدة هذه الشعوب من خلال إيجاد قوى محلية سياسية وأحزاب رؤساء قبائل فئات تتصارع على السلطة في هذا البلد أو ذاك، كما هو حال الشرق الأوسط والعالم العربي، مستغلة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لهذا البلد، والافتقار إلى حرية التعبير والديمقراطية وحب التمسك بزمام الحكم والسلطة لهذا الرئيس أو ذاك الملك أو الزعيم.
إن الإرهاب على مستوى الدولة والمنظمات والمجموعات، ما هو إلا شكل من أشكال الأزمة والتخبط الفكري للبحث عن بدائل لممارسة الحكم والسلطة بطرق أخرى، بعيدة عن النزاهة والديمقراطية، فلا يوجد للإرهاب على مستوى الدولة وطن، فهو عابر للحدود والجغرافيا السياسية والاجتماعية والفكرية، ولذلك يلتقي مع الفكر الديني الغيبي والفاشي – في خدمة الايديولوجية والممارسة الوحشية للرأسمالية المتعفنة في تشديد قبضة الاستغلال والقمع، والتمادي أكثر في عمليات السلب والنهب والحكم بأساليب قاسية جدًا للقضاء على قوى الخير والتحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية، فلا يوجد شيء اسمه الحرب على الإرهاب، لان الإرهاب لم ينوجد وحده ولا من تلقاء نفسه، فهو جزء ودهاء استعماري يجري استخدامه في مرحلة من مراحل الصراع الذي يجري في عالم اليوم.
(كويكات / أبو سنان)
