الدَّيْن والدِّين

single
ينتعش الناس في بلاد المسلمين اقتصاديًا قبل مواسم الحجّ. وتُلاحظ حركة نشطة من السيولة المالية، لدرجة أني سمعت صاحب محلّ لموادّ البناء يقول وهو يمزح بجدّ: كنت أرجو أن يكون الحجّ كلّ ثلاثة أشهر!
بعض الناس عبوس بالفطرة تعلو وجهه كشرة طبيعية مزمنة حتى وهو يضحك. الحاجّ جمال على العكس تمامًا فهو يظلّ مبتسمًا حتى في "الأجر". وهو معروف بروحه المرحة وقدرته على رواية الحديث والنكتة. لكن ما سمعته منه شخصيًا قبل مدّة لم يكن لا مزحة ولا نكتة. قال: قبل السفر إلى الديار السعودية ذهبت إلى "أبو كامل" لأستسمحه قبل الحجّ مثلما يعمل كلّ الناس في هذه الحالة،وسألتُه:هل تذكر يا "أبو كامل" أنك فقدتَ سخلًا قبل ثلاثين سنة من "شلعة" المعزى التي كنتَ تسرح بها في "العريض"؟ أدرك "أبو كامل" الغرض من وراء السؤال وقال بفطرته السليمة على الفور: أنا لا أنسى شيئًا... وكأنها حدثت اليوم!فقال الحاجّ جمال: أنا سرقته مع فلان وذبحناه وأكلناه كله! وأنا قاصدك اليوم أطلب المسامحة قبل السفر إلى الحجّ وجاهز للتعويض، فالحقّ حقّ ولا تجوز حجّة لمن كان في رقبته دَيْن لأحد مثلما تعرف.فقال"أبو كامل" بسرعة البديهة التي يملكها: اسمع يا عمّي يا جمال، ثمن السخل اليوم 2500 شاقل وإذا زدنا عليه فائدة ثلاثين سنة هكذا نصل إلى 5000 شاقل بعد المراعاة. فقال الحاجّ جمال بسرعة البديهة التي لا تقلّ عن بديهة "أبو كامل": لو دفعت يا عمّي يا أبو كامل لكلّ واحد مثل فضلك 5000 شاقل لكانت الحجّة ستكلّفني أكثر من دونم أرض عمار!
قبل سنوات قليلة، رأيت من شرفة بيتي سيّارة جيب فخمة جديدة بالنايلون تركن عند خالي"أبو علي" أمام بوابة بيته بالضبط،وقد نزل منها ثلاثة رجال في أواخر سنوات الأربعين لم يسبق أن رأيت أحدًا منهم من قبل... في اليوم التالي زرته وشربت معه بعض فناجين القهوة السادة الأصيلة، التي كان يحرص على صنعها كلّ يوم،وسألته عن قصّة هؤلاء الضيوف. فقال لي بدهشة حقيقية: قصّة هؤلاء الجماعة قصّة! فأنا لم أرَ أحدًا منهم من قبل. دخلوا، طرحوا السلام، وقعدوا. كنا أنا و"امرأة خالك" نتفحّصهم بأعيننا من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق ولم نعرف أصلهم من فصلهم. كانت لهجتهم توحي بأنهم ليسوا من منطقتنا أصلا وإنما من منطقة المثلّث. قال كبيرهم: نحن أبناء فلان من بلد كذا وكذا. وذكر الرجل اسمًا ثلاثيًا وذكر ورشة العمل التي عملنا بها لسنوات في خليج حيفا في أواخر الستينيّات بعد الحرب. تذكّرته على الفور. فسألتهم عن أبيهم وعن صحّته وعيشه ومعاشه وكلّ ما يقتضيه الواجب من سؤال وسلام. فقال الرجل: هو بخير والحمد لله وهو ينوي الحجّ هذا الموسم ويبعث لك بهذا المبلغ (15000 شاقل) ويشكرك على صبرك كلّ هذه المدّة ويطلب المسامحة!
هاتان القصّتان قد حدثتا بالفعل بدون أيّ زيادة. الحاجّ جمال رجل صادق وقلبه طيّب ونظيف والجماعة من المثلّث أيضًا فإيمانهم صادق أيضًا دفعتهم فطرتهم للاستسماح كما يفعل كلّ الناس في العادة... لكنّ الحديث هنا عن المبدأ وليس عن الأشخاص أنفسهم.وأنا أتساءل ألا تكفي الصلاة أو الصيام أو الزكاة حتى تنهى الواحد منّا عن المنكر كلّ هذه السنوات الطويلة؟ وإن كنت لا تصلّي ولا تصوم ولا تزكّي ألا تكفي إنسانيّتك وحدها لتحضّك على سدّ الدين لصاحبه كلّ هذه الأعوام؟ أكان يجب أن ينتظر ثلاثين سنة بكاملها حتى يسدّ الدين الذي يقرفص فوق رقبته، لا لشيء إلا لأنه نوى الحجّة؟ هل الدَين حرام على كلّ حاجّ وحلال زلال على غيره؟!
غريب عجيب هذا الفهم للدَّين والدِّين!
قد يهمّكم أيضا..
featured

وعلى كتفي نعشي ... سأمضي

featured

صدى تصريحات عباس وهولاند في الصحافة الفرنسية

featured

تنتظر مولوداً.......

featured

المعارضة المسلحة في سورية مرتهنة لأعداء المستقبل العربي المنشود

featured

فلسطين هي أمي

featured

لستَ مهزوماً ما دمتَ تقاوم .. 25 عاماً على استشهاد المناضل مهدي عامل

featured

كـنـتَ مـعـنـا... صـرتَ فـيـنـا!

featured

يجب فتح دفاتر ووثائق نكبة الشعب الفلسطيني عام 1947/1948م