استيقظت وداد صبيحة احد الأيام لتجد رسالة مطروحة على عتبة البيت، نظرت اليها بذهول وريب، فتجاهلتها ظنًّا منها أن تكون رسالة مغرضة أو رسالة غواية أو اغراء، ثمّ ما لبثت أن تناولتها وفضّت الغلاف، وكانت نظرتها الاولى على التوقيع، وعندما شاهدت التوقيع، ممهورًا بـ زوجك الحبيب هيثم، انشرح صدرها، وغمرت شفتيها ابتسامة رهيفة، قبّلت الرسالة ووضعتها على صدرها، وأجهشت بالبكاء، وانسابت الأحاسيس جياشة تسري ساخنة في عروقها، ثمَّ راحت تقرأ فحواها ونبضات قلبها تخفق بتسارع شديد، استهلّها:
حبيبتي وداد، بعد التحيات الحارّة والقبلات الحميمة اتقدم اليك باعتذاري الكبير الخجول الذي لا يروي لك غليلا ولا يشفي عليلا، ولا يسمن ولا يغني من جوع، أمّا بعد: فانني أُسَطّر لك كلماتي باحرف من نار وجمل من وهج الانتصار ولأقول لك يا حبيبتي انني في منتهى الغبطة والسرور، رغم قساوة الفراق و قتامة الغياب، فان الاحباط الذي أثقلني وبات عبئا عليّ، واليأس الذي حطّمني، والخذلان الذي هدّني مما اسفرت عنه حرب حزيران من نتائج وخيمة ومريعة لا بل هزيمة مشينة، ونهاية مخزية وذليلة، حملتني على الهجرة والهجران، وها هي جاءت معركة الكرامة وأوّل الغيث قطْر التي شاركْتُ فيها لتردّ لنا بعضًا من كرامتنا، ولتُسْقِط عن كاهلي عبء ذلك الاحباط الثقيل، ولتغسل وجوهنا من غبار ذلك العار المشين، ولترسّخ في نفوسنا أمل العودة من جديد، ان ما جُدنا به من شهداء وما قدّمنا من بسالة واقدام ورباطة جأش في معركة غير متكافئة في العدّة والعديد حشدوا لها قوّة عسكرية ضاربة ما يكسر القلوب ويغشي العيون، الا أننا وبقلّة عديدنا، فبعزيمتنا القوية الجبارة، وإصرارنا العنيد، وإرادتنا الفولاذية، استطعنا أن نُلحِق بهم الهزيمة، وأن نصدهم على أعقابهم خاسرين خائبين، فقد أعاد لي الأمل الذي فقدته والحلم الذي خسرته، وان النصر آت لا محالة ان شاء الله. فلسطين هي أمي التي قاموا باغتصابها و استباحوا عرضها وأرضها وانتهكوا شرفها. فأقسمت الثأر لشرفها الذي استباحوه وبالرغم من قسوة الفراق وعظمة الغياب اوصيك يا حبيبتي بولدينا محمد ويافا انني رهنت نفسي وحياتي وروحي لامّي فلسطين مع خالص تحياتي وقبلاتي الحارّة زوجك المخلص الحبيب... هيثم.
مرت الايام ورغم قتامة الحياة وشظف العيش ونار الفراق عادت ومضات الامل تدغدغ رفيف ذهنها، وراحت الاحلام الوردية تغزوها في لياليها، وفي غمرة تلبّد الغيوم على الحدود الشمالية التي كانت تنذر بشن حرب جديدة على الجنوب اللبناني وقبيل الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني سنة 1982 بمدة وجيزة، وعلى قرع خفيف على الباب وفي الهزيع الاخير من الليل، استيقظت وداد وأخذت تفرك عينيها وتتساءل وهل هي في حلم أو في علم، انتظرت، أصاخت السمع، فتهادى لها قرع خفيف على الباب، نهضت ومن عدسة زجاجية صغيرة على الباب شاهدت الطارق يرتدي بزّة عسكرية مخضّبة باللونين الأخضر والبُنيّ، فدبّ فيها الخوف، وانتابها الرعب، وتدفقت التساؤلات وتسللت الهواجس وانهمر شلال من التوجّس الرهيب وهي تتساءل، ما الذي يريده هذا الجندي في هذه الساعة من الليل؟، وهل جاء بعد ذلك الغياب الطويل يبحث عن هيثم، وليفتش البيت فيعيث فيه فسادًا؟، خامرتها فكرة بأن تصرخ وتستنجد بالجيران، تأزّرت بالصبر ووضعت اذنها عند شقوق الباب فتناهى لسمعها صوت رهيف ينادي وداد افتحي انأ هيثم، أنا ابو محمد ويافا افتحي لا تخافي..
وبعد اطراق عميق، سرح خيالها اخترق فضاء حياتها وعادت بها الذاكرة الى أيامها الحلوة الرغيدة مع هيثم قبل عِقْد من الزمن ونيّف، كفّت عن شرودها وشرعت الباب، دخل هيثم ونظر اليها بذهول، فرأى وجها شاحبا فقد جماله الساحر، وعينين ذابلتين ناعستين وشعرًا منفوشًا في جلباب أسود، خلع القبعة العسكرية عن رأسه ليظهر شعره الاسود الفاحم الكثيف قد خاطه الشيب، ووجهه النضير قد تكدّر وتغضن فركت عينيها ونظرت اليه تتفرّس عينيه لتشاهد حدقتيهما تشعان بالحنان والشوق، فاندفعت وضمته الى صدرها وضمها هيثم بين أضلعه وذراعيه، والدموع تنهمر على الوجنات لتغسل حزنًا طال سنوات، ما لبث أن تقدم نحو ولديه ليشاهد براءتهما وهما يرقدان في فراشهما على الأرض يغطان في سبات عميق، جثا على الارض وراح يقبلهما بقبل رقيقة أرق من النسيم، ثم انتصب واقفًا وعاد يعانقها عناقًا حارًّا التهم شفتيها ومن رضابهما أخذ يطفئ الفراق، فاستعرت الأحاسيس وجاشت في العروق، فالقى بها على السرير ويديه تدغدغ نهديها المترهلين في رغبة أن يهمّ بها ليفرغ في أحشائها سيل شغفه وليطفئ نار عطشه، فدفعته برفق ومودّة وهي تتحرّق وتتلظى بنار الشوق والحنين، أسندت جسمها فحاطبها قائلًا:
أنا في عجلة من أمري جئت في مهمة وطنية فدائية فماذا حدث لك وانت زوجتي وحلالي؟ فردّت عليه بصوت علت منه حشرجة طاغية والدموع تسح من مقلتيها الحزينتين، لا، أرجوك يا حبيبي كف عن مرادك وأنا لا أقل منك رغبة وشهوة وشهيّة، وتساءلت وان حَمَلْتُ منك ماذا سيقول الأهل والجيران والناس ومن يصدق انك جئتني بالسر وضاجعتني، وهل ترضى أن اُتهم بالخيانة الزوجية والزنا وفساد الأخلاق والدعارة؟، اذا كنت تريد لا بدّ من تنفيذ رغبتك وشهوتك أقترح عليك أن توقظ والديك ليكونا على علم بذلك، فرفض بشكل قاطع قائلًا لا أريد أن يُفتضح أمري وتفشل مهمتي وهناك من ينتظرني، عندها انكفأ عما كان يريد قبلها، شد على يديها وهرول وهو يوصيها بالولدين والوالدين احسانًا.
(عرابة)
