هم عظماء ولكن ْ لا يذكرهم أحد .. وإذا مرّ ذكْرُ أحدهم عَرَضَا فنترحّم عليه إن كان من الأموات وندعو له بطول العمر إن كان من الأحياء .. ثمّ نعود بعدها لنوصل ما انقطع من حديث .
قيل لي - والقول قول ثِقات – إنّهم لعبوا لعبة الحياة بإتقان .. رغم أنّهم حملوا أرواحهم على راحاتِهم – والقول لعبد الرّحيم محمود – وساروا في كلّ طريق لا يأبهون بما ينتظرهم من مفاجآت أصغرها النّفي وأكبرها حكمٌ بالإعدام.
كانوا يأخذون من أمْسِهِم ما يُقوّي لهم يومَهم ومن أمْسِهِم ويوْمِهم يبنون غدا زاهرا لجيلٍ قادم ..بعزيمةٍ تجعلهم يثقبون الجبل بإبرة ! وبأكُفّهم يطحنون الصّخر ويجعلون من الوعر سهلاً ومن اليأس أملاً.
ها نحن نسير على طرقاتٍ شقّوها لنا في كلِّ اتّجاه .. أكاد أسمع ضرباتِ معاولِهم وأشمُّ رائحة ما نزفتْ أجسادُهم من دمٍ زكيٍّ ومن عرق .
ولو زدنا جُرعة الوفاءِ لهم – نحن الجيلَ اللاّحِق – لنصبْنا تماثيلهم عند كلِّ ناصية ونثرنا مآثرهم على طول البلاد وعرضها . عّلّمَنا هؤلاءِ العظماءُ أنَّ العدالة الاجتماعيّةَ حُلُم الحُفاةِ وأمل العُراة ومُنْيةُ ملايين الجَوعى من مشارق الأرض إلى مغاربها . وعلّمونا أيضا أنَّ الرّأسمال الحقيقيَّ هو حبُّ الإنسان لأِخيه الإنسان .
فيا أيُّها الرِّفاق ُ الموتى الأحياء .. والأحياء ُ الأحياء الَّذين أثقلتْ كواهلَهم تراكماتُ السِّنين قَرُّوا عينا واهدأوا بالاً .. فالثَّمرةُ الصّالحة لا تسقطُ بعيدا عن الشَّجرةِ الصّالحة.
