مصر في "غرفة الولادة"

single

"إذا الشّعْبُ  يَوْما  أرَادَ   الْحَيَـاةَ        فَلا  بُدَّ  أنْ  يَسْتَجِيبَ   القَـدَر
وَلا بُـدَّ  لِلَّيـْلِ أنْ  يَنْجَلِــي          وَلا  بُدَّ  للقَيْدِ  أَنْ   يَـنْكَسِـر"

 


رغم ان مصر ما زالت 'في غرفة الولادة' وليس واضحا إلى أي مدى ستذهب هذه الانتفاضة في إعادة تكوين المشهد السياسي، إلا إنها نجحت بالفعل في خلق حقائق جديدة على الأرض.
إن رحيل الرئيس المصري، الذي هو قاعدة النظام، أصبح المطلب الجامع لهذه الانتفاضة والمكون الرئيسي لها منذ يومها الأول، ما يعني أن محاولة الالتفاف عليها بإجراءات جزئية أو فئوية، كعلاوات أو تخفيضات في الأسعار لن تجدي.
إن قيام الانتفاضة بقيادة (الشارع) في مصر بعد تونس، يكرس أيضا نمطا ثوريا جديدا لا يحتاج إلى قيادة تنظيمية، ويستند إلى وسائل التنظيم التي يوفرها الإعلام الجديد، خاصة "الفيس بوك"، ما يقوض الجدل حول الأسماء والأشخاص، الذي طالما استهلك طاقات النخبة، واستفز خلافاتها من دون طائل.
لقد تحرك قطار التغيير ولا ريب، ولن تعود مصر أبدا كما كانت قبل 25 كانون الثاني/يناير، مهما حدث أو لم يحدث، طال الزمن أم قصر قبل أن تتحقق كل المطالب المعلنة لهذه الهبة التاريخية.
لقد قال الشعب المصري كلمته عالية واضحة، وأنصت إليها التاريخ جيدا، كما فعل دائما، رغم التعتيم الإعلامي على الانتفاضة.
أصدر هذا الشعب المكافح الأصيل حكمه بعد أن طال صمته، وظن البعض أن قدرته على الصبر ضعف واستكانة، أو تصديق لحالة مرضية تسمى في علم النفس (الخنوع الجمعي) وهي التي تنتج عن العيش لزمن طويل تحت الحكم الديكتاتوري.
إن أولئك الشباب والكهول الشيوخ والنساء، الذين تدفقوا كالغيث من كل حدب وصوب، وغالبيتهم الساحقة يخرجون في مظاهرة للمرة الأولى في حياتهم، أعادوا رسم الخريطة السياسية في مصر، وفرضوا أجندتهم الخاصة على النظام والمعارضة معا، عبر هتافاتهم التلقائية، وقدرتهم المدهشة على هدم جدار الرعب التاريخي في مواجهة ماكينة القمع الجبارة للحكم.
وليس هذا الصمت الرهيب الذي خيم على الساحة السياسية المصرية في ذلك اليوم التاريخي، باستثناء بيان من وزارة الداخلية في تأكيد جديد لمفهوم الدولة البوليسية، سوى انعكاس لمشاعر الذهول وعدم التصديق، التي تملكت المتحصنين في قصورهم والمتشبثين بمناصبهم لعقود ومن يدور في فلكهم من منافقين، بل إن قوى المعارضة نفسها، وقد أخذها التحرك الجماهيري على حين غرة، بدت لاهثة وهي تحاول صياغة مطالب ترتقي إلى مستوى الانتفاضة. وقد أعرب عدد من المتظاهرين أنفسهم عن دهشتهم من حجم التحرك وصلابته، وهم يرون عشرات الآلاف يخرجون في مدينة صغيرة، بالمقاييس المصرية، كالمحلة الكبرى.
أربعون مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، وهذا لا يعني أن ظروف من يعيشون فوقه أفضل كثيرا، وباستثناء، حفنة صغيرة تشكل بطانة النظام وقاعدته الأساسية، وتتعيش من ضرع فساده، يمكن القول ان الغالبية الساحقة من المصريين تعيش ظروفا مغرقة في السوء.
تواصل الاحتجاجات الشعبية طوال اليومين الماضيين وامتدادها إلى مناطق عديدة من العمق المصري، وأنها لم تقتصر على المدن الكبرى مثل القاهرة والاسكندرية، يؤكد تحولها إلى انتفاضة شاملة في الأيام القليلة المقبلة.
ومظاهرات يوم الجمعة التي انطلقت بعد صلاة الجمعة كانت بمثابة التيرموميتر لقياس حركة القاع المصري بالشكل الصحيح، وأتت لتؤكد أن النظام قد فقد شرعيته نهائيا. على الرغم من أن النظام المصري يحاول شد قبضته الحديدية على مجريات الأمور، ولكن نلاحظ أن قبضته بدأت تضعف وتتآكل أمام زخم الاحتجاجات وشعاراتها القوية التي تطالبه بالرحيل، وتندد بالفساد والقمع ومصادرة الحريات.
 لا نعرف كم سيصمد هذا النظام، ولكن ما نعرفه أن الانتفاضة الشعبية الحالية مختلفة عن كل نظيراتها السابقة، كما أن حجم المعاناة المتضخم الذي أدى إلى انفجارها مختلف أيضا.
الأنظمة القمعية تعتمد على الإرهاب بمعناه الحقيقي، أي نشر الرعب والخوف بين الناس بحيث لا يجرؤ أحد على تحدّيها. ويتحقق هذا الغرض بالتنكيل بوحشية بعدد من المعارضين حتى يكونوا عبرة لغيرهم، ونشر الإشاعات عن القدرات الخارقة لأجهزة الأمن في التجسس والاطلاع على خبايا الناس، بحيث يفقد الناس الثقة في بعضهم البعض، ويخشون عواقب مصارحة الأقران وحتى أفراد العائلة بحقيقة مواقفهم من النظام. وبالتالي يتعذر التعاون بين المعارضين. ولكن الأحداث الأخيرة في تونس ومصر كشفت عن حقيقة إفلاس مصارف القمع العربية وانهيارها الكامل.
يمكن القول ان معظم الحكومات العربية تأخرت في قراءة التحولات التي عصفت بالعالم قبل نحو عقدين. اعتبرت انهيار جدار برلين حدثا بعيدا وانهيار الاتحاد السوفييتي حدثا بعيدا. أساءت أيضا تقدير آثار دخول الفضائيات إلى المنازل العربية. وانضمام الملايين "لجيش" مستخدمي الانترنيت ووسائل الاتصالات الحديثة. أساءت أيضا قراءة يقظة مشاعر الشباب وشعورهم بحقهم في المطالبة بالخبز والحرية والكرامة.
اخطر ما يمكن أن يحدث هو غياب الأمل. وغياب النوافذ. أن يشعر الشاب أن الإجازة الجامعية مجرد بطاقة عضوية في نادي العاطلين عن العمل. وان المسكن اللائق حلم بعيد المنال. وأن الأشياء جامدة لا تتغير وهنا لا بد من القول انه لا خيار غير الإصغاء إلى الناس. يمكن للإجراءات الأمنية أن تمنع الانزلاق نحو الفوضى. لكنها لا تكفي لاستعادة الاستقرار. تحتاج حماية الاستقرار إلى قرارات جريئة تنهي القطيعة مع الجمهور. قرارات تعيد فتح نوافذ الحوار والأمل.
لا نفهم لماذا يصر الزعماء العرب على أن يقضوا ما تبقى لهم من عمر في المنافي، وهم يحملون لقب "رئيس مخلوع" بدلا من "رئيس سابق" يعيش بين أهل وطنه معززا مكرما، مثلما يحدث في مختلف أنحاء العالم المتحضر.
الرئيس المصري حسني مبارك يرى بلاده تحترق، مثلما يرى الشرر يتطاير من أعين الشباب الغاضب الثائر مع ذلك يصر على البقاء في منتجع شرم الشيخ يصدر المراسيم بالريموت كونترول بفرض حظر التجول، وإنزال الجيش إلى الشوارع على أمل البقاء على كرسي الحكم لبضعة اشهر إضافية، وهو الرجل المريض الهرم.
والأغرب من كل ذلك انه، أي الرئيس مبارك، وربما معظم نظرائه العرب أيضا، لا يجيدون قراءة ما حدث في تونس واستخلاص العبر والدروس المستفادة، وابرز دليل على هذه الأمية السياسية إغلاق شبكات "الفيس بوك" وحجب مواقع "الانترنت"، بل وقطع الاتصالات الهاتفية الأرضية والمحمولة وإغلاق مكاتب "الجزيرة".
نزول الجيش المصري إلى الشوارع قد يكون المؤشر الأبرز على نهاية عهد الرئيس مبارك، لان انتصار الجيوش لأنظمة حكم دكتاتورية قمعية في مواجهة ثورات شعبية أصبح من تراث الماضي السحيق، فالغالبية الساحقة من الثورات الشعبية التي اجتاحت دولا في أقصى الشرق (الفلبين) مرورا بالوسط (ايران الشاه) وانتهاء بالدول الاشتراكية شهدت انحيازا صريحا للجيش إلى جانب الشعب الثائر.
الشعب المصري فاجأنا بثورته مثلما فعل نظيره التونسي، والسؤال الذي نأمل أن نسمع إجابة قريبة له هو أن يفاجئنا الجيش المصري بالطريقة نفسها ويعطي إنذارا للرئيس مبارك بالمغادرة، والتمهيد لمرحلة جديدة مشرقة في التاريخ المصري الحديث.

 


(عيلبون)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كي نذكر ولا ننسى: الرملة في القلب..!

featured

في رثاء الاستاذ الكبير حنا مخول أبي فراس

featured

الشيوعية تضمن بقاء البسمة على الشفاه

featured

موسكو تقاضي أوروبا

featured

وترجل الفارس احمد سعد

featured

كيف استندت إيران إلى المحتجين لحماية الاستقرار؟

featured

سرطان الكبد Lever Cancer