محو الأمية

single

نصحني عدد من الأصدقاء، مشكورين، بأن أتعصرن وهذا يعني أن أهجر قلم الحبر والورق وأن الجأ إلى الحاسوب الذي سوف يمنحني وقتاً أرحب، ويريحني من عملية "المسودّة" و "المبيضّة" ومن تمزيق الأوراق وضياع الأصول وغير ذلك، وأكّدوا لي، مشجعين، أنّ عملية الكتابة الحاسوبية لا تحتاج إلى وقت طويل لتعلّمها وإتقانها، وزعم أحد الأصدقاء أنه يكتب قصصه القصيرة ورواياته ومقالاته بإصبع واحدة ولم يحددها أهي السبّابة أم الوسطى. وقد اقتنعتُ بكلامهم وقررتُ أن أتخلص من أميتي وطلبتُ من حفيديّ "باسل" و "ربيع" أن يكونا معلميّ وأن يكونا صبورين أيضاً إذا ما كان تلميذهما بليداً أو كسولاً وخططتُ أن يكون عنوان مقالي الحاسوبيّ الأول "في وداع القرطاس والقلم" فلا قيمة بعد اليوم لبيت المتنبي الشهير:
  الخيل والليل والبيداء تعرفني     والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ولن يغضب الخليل بن أحمد إذا قلتُ: "والسيف والرمح والحاسوب والفار" فلم يبق شيء يا جدّنا أبا الطيّب من كل ذلك البيت فقد تنازلنا عن "الخيل والسيف والرمح" من قبل من أجل التمدّن والعصرنة وها نحن نكمل المشوار.
  في جلسة قبل سنوات مع أخي وصديقي الشاعر الكبير محمود درويش، رحمه الله، في مكتبه في "خليل السكاكيني" في رام الله سألني: بماذا تكتب؟ فأجبته: بقلم الحبر العادي "البيلوت". فذكر لي أنه يكتب بقلم الحبر السائل وعلى الورق الأبيض غير المسطّر ولا يفكر باستعمال الحاسوب، وأنه يجد متعة كبيرة بالكتابة بقلم الحبر السائل وفي شطب الكلمات والجمل وتمزيق الأوراق ثم قال لي: ولكنك ترسل قصصك إلى "الكرمل" بالإيميل، ولم يقل بالبريد الإلكتروني كما يقول البعض في أيامنا. قلتُ: إنّ أحد أحفادي يطبع النصّ ويرسله إلى العنوان الذي أحدّده له. فابتسم وقال: هؤلاء الصغار شياطين في استعمال الحاسوب! وسألني مستفسراً عن عدد أحفادي وكأنه يكتشف ساعتئذٍ بأننا هرمنا وصرنا أجداداً وصار عندنا أحفاد وحفيدات، فأجبته جواباً دبلوماسياً ولم أذكر له عددهم عملاً بنصيحة صديقي القائد الشيوعيّ البارز توفيق طوبي الذي أنّبني ودقّ بأنامله على خشب الطاولة حينما ذكرتُ عدد أحفادي على مسمعه أمام عدد من الأصدقاء.
  وسألني محمود فجأة: هل تقرأ التعليقات التي تُكتب على مواقع الانترنت؟
  أجبته: علاقتي بالانترنت غير وديّة ولا أقرأ التعليقات التي تكتب حول مقالاتي أو قصصي إلا حينما يلفت نظري أحد أحفادي إلى ذلك، وغالباً ما أكتشف أنّ كاتب التعليق لم يقرأ نصي وقد يكون كتبة التعليقات على المقال شخصاً واحداً لا غير يتسمّى بأسماء مستعارة.
  فقال بأسىً: إنّ كثيراً من التعليقات في مواقع الانترنت تذكّرني بالكتابات على جدران المراحيض العمومية.
  قلتُ: هناك دائماً وجهان للعملة ولكل اختراع حسناته وسيئاته.
  لا أذكر اليوم هذا الحديث كي أتراجع عن قراري بمحو أميّتي وأن أبقى عالة على حفيديّ فلا بدّ لي أن آخذ بالحسبان أنّ حفيديّ، وفقهما الله، كبرا وسوف يلتحقان بالجامعة ويبتعدان عن البلدة وعن البيت. ولا بدّ مما ليس منه بدّ.

قد يهمّكم أيضا..
featured

أهلا توفيق فيّاض

featured

لا يزول الاستيطان إلّا بزوال المقوّمات

featured

الماركسية - اللينينية والمسألة القومية

featured

ما يستحقُّ الحياء

featured

نقاط هامة في معركة طويلة

featured

أيها الرئيس رأسك تحت رحمتي