?يثير الاحتفال بالذكرى الخامسة والستين لنهاية الحرب العالمية الثانية (في 9 أيار/ مايو) مناقشات تاريخية حادة في روسيا وفي بلدان أخرى. وعلى خلاف المتوقع، لم يطفئ تباعد الوقت الأهواء والانفعالات. فمضت السجالات على منطقها القاسي. والحق ان التقادم لم يلغ التأويلات الكثيرة، ولم يختصرها. والتوسل بالماضي حين يتصل الأمر ببناء مجتمع الغد، لا مناص منه. ونحن اليوم على منعطف من منعطفات تاريخ العالم. وتتوسط أوروبا الانعطافة هذه.
وقبل أعوام قليلة، بدا ان نجاح اندماج الدول الأوروبية في اتحاد متماسك حسم مسألة أدوار البلدان في عملية الاندماج، وفي التاريخ الذي مهد الطريق إليها والحرب الثانية جزء منه. وعليه، كان بعث المناقشة من باب الافتئات والتطاول. ولكن مواقف بعض رؤساء بلدان أوروبا الوسطى، مثل بولندا وأوكرانيا وبلدان البلطيق، مالت الى القطع والجزم، وجددت المناقشة. ومطاليب الأخوين كاتشينسكي من ألمانيا كانت فاتحة المراجعة الأوروبية. وسرعان ما أدرك الأوروبيون ان الآراء والأحكام التاريخية القاسية تخلف تباعدًا يفضي بدوره الى الطعن في تعريف هوية أوروبية مشتركة، هو (التعريف) شرط الاندماج الأوروبي ونجاحه. وتقتضي الهوية المشتركة نظرة إلى أحوال العالم تتولى وزن الأدوار التاريخية المتفرقة في ميزان جديد، وتحتسب بلدان أوروبا الوسطى، ونظرتها الى أسباب الحرب ونتائجها، في الميزان.
فكيف يكون «كتاب التاريخ» الأوروبي الجديد؟ وهل يساوي ستالين واتحاده السوفياتي بألمانيا النازية؟ وهل يوجز تعقيد الحرب العالمية الثانية في مصير شعوب أوروبا الوسطى «الشهيدة»؟ وما هو محل روسيا، وتاريخها المتناقض – من عام 1917 والثورة البلشفية الى عام 1991 وتصفية الاتحاد السوفياتي، وبينهما الحرب الأهلية التي لم تضع أوزارها بعد؟ وهذه الأسئلة ليست لغوًا. ولا يزال قول جورج أورويل «من يملك الماضي يملك المستقبل»، ساريًا. والأجوبة عن هذه الأسئلة عامل مؤثر في اختيار أوروبا الطريق التي تسلكها الى المستقبل، وإلى علاقتها بروسيا. فهل تضم روسيا الى نطاقها السياسي والاقتصادي والثقافي المتصل والمشترك، ام هل تؤثر استبعادها ولفظها ورميها وراء خط حدود جديد؟ ولا يجوز تصديق من يزعمون ان النظرة التاريخية الأوروبية ثابتة واستقرت الى الأبد، وأن المسألة رهن إرادة روسيا وحدها، وامتثالها وندمها وقبولها صيغة التاريخ المفروضة عليها لقاء دخولها أوروبا الجديدة. ومن يذهبون الى هذا الرأي يتمنون استبعاد روسيا، ويخيرونها بين رفض الإهانة والاعتزال وبين نكران تاريخها والذواء لاحقًا. والسبيل الوحيد الى الخروج من الحيرة الخانقة هو الاحتجاج من غير ضعف للوقائع الإيجابية في تاريخنا المشترك، وتذكر الصفحات السود. فمجزرة كاتين مأساة مزجت دماء الشعبين البولندي والروسي. ولكن ألم يشتر مئات آلاف الجنود الروس الذين قضوا في سبيل تحرير بولندا جريمة كاتين؟ ألا تدين أوروبا الليبرالية والديموقراطية ببقائها المادي والإيديولوجي الى الاتحاد السوفياتي؟ والحق ان تفادي بعث المنازعات القديمة يقتضي من روسيا وأوروبا معًا الاعتدال في تأويلهما التاريخ.?
(إفتتاحية «إيكسبرت» الروسية، 6 أيار 2010)
