مقدمات ترانسفيرية

single

من خلال توصيته بتقديم لوائح اتهام بحق النائب محمد بركة وبحق النائب سعيد نفاع ، اثبت مزوز أن مؤسسة الاستشارة القضائية للحكومة جزء فاعل في المؤسسة  الرسمية لا بل وتشكل إحدى اذرعها.
لسنا هنا بصدد مضمون أو بنود الاتهام، إذ يكفينا فخرا أن قيادات الجماهير العربية تحاكم بسبب قيامها بواجبها تجاه جماهيرها، في حين يحاكم الآخرين بتهم الاختلاس والرشاوى. لكننا بصدد حقيقة كون هذه التهم محاولة سلطوية لنزع شرعية التمثيل العربي في البرلمان الإسرائيلي ، ونزع شرعية وحق الجماهير العربية في المشاركة السياسية في الدولة، كمقدمة سياسية للترانسفير.
إن من يعتقد أن المؤسسة الصهيونية قد انصرفت من برامجها الترانسفيرية مخطئ بكل المقاييس، فالجماهير العربية في إسرائيل لا تملك ترف الركون إلى "الدمقراطية الإسرائيلية" كضمان لوجودها وبقاءها في وطنها، وما محاولات الربط بين استحقاق الحل السلمي بيهودية الدولة إلا مؤشر على عمق التداخل بين المشروع الترانسفيري وعملية الإقصاء السياسي للجماهير العربية.
في تشرين ثاني  عام 2002  قدم  قسم الأبحاث التابع للكنيست، بناء على طلب من عضو الكنيست افيغدور ليبرمان بحثا حول ثمانية عمليات ترانسفيرية تاريخية جرت أحداثها  في أوروبا خلال القرن العشرين، واستعرض البحث أعداد السكان الذين تم طردهم أو نقلهم من مكان إلى آخر، كما استعرض الطرق والأساليب التي تم استخدامها لتنفيذ عمليات الترانسفير، ومن ابرز تلك العمليات إجبار نحو مليون ومئتي ألف يوناني على الهروب من تركيا إلى اليونان، وهروب نحو ثلاثمئة وثمانين ألف تركي من اليونان إلى تركيا، ويبدو واضحا مما استعرضه البحث أن مثل هذه الأحداث كانت لصيقة أي بالتوازي أو في أعقاب الحروب، أو من خلال توتير النزاعات القومية، وهو الأمر الذي لا تعدمه منطقتنا، لا بل وتعمل إسرائيل جاهدة على إذكاءه والحفاظ على جذوة التوتر وفتيل الاشتعال بشكل دؤوب.
في الواقع لا تحتاج المؤسسة الصهيونية إلى كل تلك الدراسات التاريخية، فالتطهير العرقي الذي مارسته على سكان ما يربو على خمسمائة قرية فلسطينية يمكن أن يشكل اكبر مدرسة لأعتى الديكتاتوريات في العالم، لكن ثبات أقلية عربية في أرضها ووطنها من جهة وغوص إسرائيل في مستنقع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وضع الصهيونية أمام معضلة السيطرة التامة والكاملة على أراضي فلسطين التاريخية والتوازن الديموغرافي بين النهر والبحر. لذا تسارع إسرائيل اليوم في سباق مع الزمن إلى قضم اكبر مساحة من الأرض العربية وثم حشر الفلسطينيين داخل بانتوستانات معزولة ومحاطة بالجدران، وتوسيع رقعة السيطرة على الأرض إما من خلال الاستيطان السرطاني، أو من خلال سيطرة الجيش على مناطق بحجة الأمن، وذلك يسير بالتوازي تماما مع سياسة الهدم وتضييق الخناق على القرى والمدن العربية، وحرمانها من المسطحات وآفاق التطور، بهدف تحضيرها جغرافيا لتصبح في المستقبل مناطق معزولة قابلة للإحاطة بجدران الفصل العنصري، وذلك ينسجم تماما مع دعوات التبادل السكاني والترانسفير.
تتحدث بعض الأوساط الصهيونية بصفاقة عن "تصحيح الخطأ التاريخي" وعن ضرورة التخلص من العرب مواطني دولة إسرائيل من خلال عملية تبادل سكاني أو أراض، كجزء من الحل الدائم بين إسرائيل والكيان الفلسطيني العتيد ، وتحقيق أغلبية يهودية مطلقة على أغلبية أراض مطلقة من فلسطين التاريخية. فما أخفقت في تحقيقه من خلال المجازر وغبار الحرب، مثال مجزرة كفر قاسم، تحاول اليوم تحقيقه عبر الإقصاء السياسي كمقدمة للإقصاء الجسدي.
وأننا إذ نطل على هذا المشهد الصهيوني العدواني فإننا لا نقدم لأنفسنا التنازلات، ولا الإعفاء من إطلالة على ساحتنا الداخلية، لأننا أولا وأخيرا مطالبون بالتأثير في هذا المشهد من خلال النضال والكفاح المتواصل دون تشنج ديني أو طائفي أو تقوقع قومي، ودون العبث بمصير الجماهير، بدعوات الانغلاق والإقصاء الذاتي.
ما من شك أن القيادات والأجسام السياسية العربية باتت مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، برفع مستوى النضال الجماهيري إلى مستوى التحديات والأخطار المحدقة، فان الملاحقة السياسية للنواب العرب لا تعدو كونها مقدمة سياسية لترانسفير تسعى إليه الصهيونية بشتى الوسائل والطرق. لذا لا نستطيع النظر إلى دعوات الابتعاد والإقصاء الذاتي عن ساحة التأثير السياسي في المشهد الإسرائيلي عامة كمجرد هفوات، لا إن كانت بحجة بناء المجتمع العصامي، ولا بحجة الإدارة الثقافية الذاتية. وتجربة محاولات شطب الأحزاب العربية قبيل انتخابات الكنيست الثامنة عشرة تؤكد ضرورتين، ضرورة تكاتف كل القوى الفاعلة في الساحة العربية، وضرورة رفع مستوى القيادات أيضا إلى مستوى التحديات، ففي اعتقادي اخفق بعض القيادات في النقاش حول شطب الاحزاب العربية بالدعوة إلى مقاطعة الانتخابات وهو الأمر الذي تسعى إليه المؤسسة الإسرائيلية كمقدمة هامة نحو الترانسفير.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الدبلوماسية الحمقاء والاحتلال الوحشي البربري – همجية العدوان على غزة نموذجا

featured

نتنياهو و "الحلول" البلطجيّة!

featured

"الشيوعي اللبناني" يستعدّ للانتخابات: تشكيل ائتلاف معارض

featured

رجال في الثلج

featured

القائد عبد الناصر في الذاكرة

featured

حيفا بعد الاحتلال المصري

featured

محكّ الوطنية هو رفض الفتن ومشاريع التفتيت

featured

المطلوب اسرائيليا وفلسطينيا