محكّ الوطنية هو رفض الفتن ومشاريع التفتيت

single

يوم الأحد الماضي (30 تشرين الأول)، تلقيتُ اتصالا من قناة "هلا" التلفزيونية، لاستضافتي في برنامجهم الإخباري "هذا اليوم"، يوم الثلاثاء (1 تشرين الثاني)، حول النقاش مع فكر وخطاب بعض مشايخ الشق الشمالي للحركة الإسلامية.وقال لي معدّو البرنامج انه سيشارك إلى جانبي الأخ توفيق محمد، عضو المكتب السياسي للشق الشمالي للحركة الإسلامية ورئيس تحرير "صوت الحق والحرية" السابق. فوافقتُ. وسافرتُ إلى طيبة بني صعب في الموعد المحدّد، لأجد أن الأخ توفيق قد اعتذر عن المشاركة في الحوار.
ورغم أنه اختار عدم المشاركة، فوجئتُ، لاحقًا، بمقالة جديدة للأخ توفيق في موقع "ديلي 48"، تحت عنوان "ردا على زعاترة: هناك وطن يجمعنا.. والا فلا تلم غير نفسك" (3 تشرين الثاني). واستهلها الكاتب بأنه "للأسف ما يزال الاخ رجا زعاترة مصرا على الهبوط بمستوى الحوار الفلسطيني الداخلي الى منحدرات لسنا نرضى عنها من باب المسؤولية الوطنية العليا"، معللا عدم مشاركته "لأننا في هذه الفترة بالذات يجب أن نبحث عن المشترك أكثر من أي شيء آخر ولأنّ مسؤوليتنا الوطنية تجاه أنفسنا وجماهيرنا تقتضي ذلك". وكادت تغرورق عيناي تأثرًا، وإعجابًا بروح المسؤولية والوطنية العالية والبحث عن الهموم المشتركة، فطفقتُ ألوم نفسي على "المهاترات" (كما وصفها الأخ توفيق) وعلى الهبوط بمستوى الحوار.


• لغو المسؤولية الوطنية


لا أعرف معايير الأخ توفيق لماهية المهاترات والمنحدرات. فكل ما أوردته من نماذج للفكر الداعشي البغيض موجود حرفيًا ويمكن لأي إنسان الاطلاع عليها (راجعوا "الاتحاد" عدد الجمعة 4 تشرين الثاني، "الرفيق رجا زعاترة: فكر "دولة الخلافة" ينفي الوطن ويمزّق الوحدة الوطنية") وجميعها موثّقة ومؤرّخة، وبعضها بالصوت والصورة. ونأمل ألا تكون هذه المعايير مختلّة أو مزدوجة، كما هي معايير "المسؤولية الوطنية" التي يلغو بها الأخ توفيق، الذي يكتب:
"في البدء لم يكن النقاش معه حول فكر الخلافة الإسلامية ولا حول الاقتباسات التي اقتبسها عن كتاب لفضيلة الشيخ العلامة ومفتي العصر الدكتور يوسف القرضاوي أطال الله عمره، ولا حول علماء المسلمين ودعاتهم، إذ لو أردنا ذلك فليس زعاترة عنوانا لهذا، لأننا لسنا نناقش الدين والعقيدة الإسلامية مع رجا زعاترة، ولست ايضا بصدد نقاش عقائد ومسلمات الآخرين الدينية، ولست بصدد نقاش اممية الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي ينتمي اليه رجا تلك الاممية التي تنفي الوطن الفلسطيني بدءا، ولست بصدد نقاش اسرائيليته التي تنفي الفلسطنة والعروبة أصلا" (جميع الأخطاء اللغوية في الأصل –ر.ز).
من نافل القول ان الحركة السياسية التي تطرح مشروعًا معيّنًا – كمشروع "دولة الخلافة" – عليها أن ترحّب بالحوار، لا أن تتهرّب منه. ومن ناقل القول إنّ الدكتور القرضاوي - صاحب فتاوى الفتن في سوريا وطاعة الحاكم في البحرين، وفتاوى إجازة تفجير المدنيين وتشجيع التحالف مع حلف شمال الأطلسي لقصف بلاد المسلمين، وتوجيه الشكرلأمريكا على وقفتها "وقفة رجولة.. وقفة لله" وعلى تسليحها لـ "الثوار" في سوريا وليبيا -هو موظف في النظام القطري، العميل للولايات المتحدة والمتواطئ مع إسرائيل. وهو في نظر الأخ توفيق "مفتي العصر"، لكنه في نظر كثيرين "مفتي الناتو". ولهذا الدكتور كغيره من الموظفين في النظام القطري أجندة سياسية تخدم مشاريع سياسية باتت معروفة ومكشوفة، معادية للعرب وللمسلمين وللبشرية جمعاء. وبالتالي فنقاشنا مع المشروع السياسي ومع الفكر السياسي، وليس مع العقيدة والدين. ولن نسمح لأحد بتمرير هذه الأجندات المشبوهة والمشاريع الخطيرة تحت عباءة الدين والعقيدة، ولن نسمح بامتطاء إيمان الناس الصادق في خدمة أنظمة تخون الشعوب والأوطان والمقدّرات والمقدّسات. فكما قال ابن خلدون "الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين، تجارة رائجة جدًا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات". إنّ الواجب الوطني هو إسقاط هذه الأقنعة لينكشف ما وراء الأكمة.
وبما أنّ الأخ توفيق يتحلّى بـ "مسؤولية وطنية عليا"ومهتم جدًا "بالبحث عن المشترك"،فيا حبذا لو يهمس في آذان بعض المشايخ، بالكفّ عن الخوض في معتقدات الناس الدينية، وتكفيرهم، وتحريم أكل ذبائحهم، وإخراجهم عن الملة، واعتبار مذاهبهم انحرافًا وعبادة أوثان؛ والكفّ عن التدخل في مأكل الناس ومشربهم وملبسهم، ومتى يحق للفتاة أن تمشي في الشارع وكيف يحق للمرأة أن تغني، وهل يحق لأبناء البلد الواحد والشعب الواحد أن يعايدوا على بعضهم البعض، وهل يمكن استضافة عرض فني أو مسرحية، وهل "الدبكة" حرام أم حلال. ومن باب "المسؤولية الوطنية العليا"، التي يحرص عليها الأخ توفيق وإخوانه شديد الحرص، فيا حبذا لو ينشر عنوان بريده الإلكتروني أو عنوان إقامته، لأرسل له كل تلك الخطب والمقالات والتغريدات المشبوهة، البعيدة كل البعد عن شغف الأخ توفيق بـ"البحث عن المشترك".



• الأممية حسب توفيق!


أمّا عن الأممية التي تنفي "الوطن الفلسطيني" و"الفلسطنة والعروبة أصلاً"، فيبدو أنّ ثقافة الأخ توفيق الماركسية واللنينية والأممية والثورية ليست أوسع من مداركنا الفكرية فحسب، بل إنها سبقت كارل ماركس وفريدريك انجلز وفلاديمير لينين أنفسهم! إذ كتب ماركس وانجلز في "البيان الشيوعي" (1848): "..وفوق ذلك، يُـتَّهم الشيوعيون بأنهم يريدون إلغاء الوطن والقومية. فالعمّال لا وطن لهم. فلا يمكن أن يُسلب منهم ما لا يملكونه. وبما أنه ينبغي على البروليتاريا أن تستولي، أولا، على السلطة السياسية، وأن تنصّب نفسها طبقة قومية، وأن تتـقوَّم كأمّة، فإنّها ما تزال وطنية، لكن ليس قطعا بالمعنى البرجوازي للكلمة".
أما الرفيق لينين فقد خاض نقاشًا فكريًا حامي الوطيس مع الرفيقة روزا لوكسمبورغ (التي دعت إلى الاستعاضة عن حق تقرير المصير للأمم، أي الشعوب، بحق تقرير المصير للطبقة العاملة). وكتب في مؤلّفه "عن المسألة الوطنية والأممية البروليتارية"(1914): "ولا شك في أنه من زاوية العلاقات القومية، فإن الدولة القومية، تخلق أفضل الشروط لتطور الرأسمالية. ولا يعني هذا أن مثل هذه الدولة القائمة على أساس العلاقات البرجوازية، تستطيع أن تقضي على استغلال الأمم واضطهادها. إنه يعني فقط، أن الماركسيين لا يستطيعون إهمال العوامل "الاقتصادية" القوية التي تولد الدافع إلى انشاء الدول القومية. كما يعني أن "حرية الأمم في تقرير مصيرها" لا يمكن أن يكون لها في برنامج الماركسيين، من الوجهة التاريخية الاقتصادية، سوى معنى واحد هو حرية تقرير المصير السياسي، والاستقلال كدولة، وإنشاء دولة قومية".
أمّا على المستوى الوطني المحلي فقد جاء في وثيقة السادس من حزيران (كتاب "المؤتمر المحظور"، 1981) بقيادة الشيوعيين وغيرهم من الوطنيين: "لم ننكر، ولا يمكن أن ننكر، حتى لو جوبهنا بالموت نفسه، أصلنا العريق: أننا جزء حي وواعٍ ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني. لم نتنازل، ولا يمكن أن نتنازل، عن حق هذا الشعب في تقرير مصيره، وفي الحرية والاستقلال، على ترابه الوطني".
لكن لعلّ في حوزة الأخ توفيق نسخًا أخرى، سريّة ربما، من "البيان" و"المسألة" و"المؤتمر" وغيرها من أمّهات الكتب، تنفي الوطنية والفلسطنة والعروبة. وهي نسخ لم تصلنا ولم نقرأها ولم يقيّض لنا أن ننهل منها، كما فعل الأخ توفيق. وآمل أن يرسلها إليّ في القريب العاجل، لنرتقي إلى نفس مستواه الفكري العميق والموسوعي.



• الخلافة مشروع سياسي


وما أن فهمنا نظريته الطلائعية في الأممية، وإذ بالأخ توفيق يحلّق من عوالم الفكر والسياسة خائضًا في عباب التاريخ، فيقول: ".. يا سيد رجا فان دولة الخلافة كانت رحمة للبشرية جمعاء وهي لا شك تستقي تشريعاتها من اصول الشريعة الاسلامية". والحقيقة هي أنّ مقولة "الرحمة" هذه قد تنطبق جزئيًا على عصر الخلافة الراشدة (إذ توفي ثلاثة من الخلفاء الأربعة مقتولين)، أمّا سائر "سنوات الخلافة" فهي تاريخ بشري محض، فيه الصالح وفيه الطالح، فيه النور والعدل والتقدّم وفيه الظلم والجور والتخلّف. ولن ندخل الآن في آراء الفقهاء والعلماء حول الإمامة والخلافة ومعانيها ومقاصدها، لكن المؤكد هو أنّ الدعوة إلى تجديد الخلافة هي اجتهاد سياسي بحت، وليست من أركان الدين وأصوله الشرعية. وبالتالي، فالنقاش سياسي وليس دينيًا، ولا يمكن قبول هذا التهرّب من النقاش السياسي "لأننا لسنا نناقش الدين والعقيدة الإسلامية مع رجا زعاترة".
وعلى عكس الفكرة الطوباوية الوردية التي يشيعها بعض دعاة الخلافة اليوم، فتاريخ الخلافة كان في معظمه دمويًا واستبداديًا، ولا علاقة له بالدين وبقيمه التقدّمية والتحرّرية، وإنما بالسياسة والاقتصاد وعلاقات القوى السائدة في المجتمعات، شأنه شأن كل التاريخ البشري، بما في ذلك عصور حكم الكنيسة في أوروبا وغيرها. وبما أنّ الأخ توفيق حُجّة ومرجع في الفكرالأممي والاشتراكي، فهو يدرك بلا شك إنّ "تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية"، وأنّ "هناك في كل أمة ثقافتين، ثقافة تقدمية وثقافة رجعية". وبالتالي قد يتفق مع المفكر الماركسي المصري سمير أمين الذي قال في كتابه الأخير"في نقد الخطاب العربي الراهن" (2015): "إن الإسلام السياسي المعاصر وكذلك الهندوسية السياسية والبوذية السياسية والمسيحية الأصولية الأميركية وغيرها تنتمي إلى هذه المجموعة التي تقدم إجابات لا تعتمد على تحديد علمي لطابع التحدي، وبالتالي تروي أوهاما خطيرة حول قدرتها على تغيير العالم". ومن المؤكد أنّ الأخ توفيق وجميع دعاة "الخلافة" قد قرأوا كتاب "الوجه الآخر للخلافة الإسلامية" (1999) للباحث المصري سليمان فياض (وهو خرّيج الأزهر الشريف)، والذي يخلص إلى أنّ الخلافة الإسلامية منذ العصر الأموي في القرن الأول الهجري حتى سقوط الامبراطورية العثمانية في عشرينيات القرن الماضي "استخدمت الدين قناعًا لإخضاع البلاد والعباد بما أساء إلى مقاصد الإسلام"، وأن الخلفاء كانوا "ممثلين لأسر ملكية حاكمة وتوارثوا الحكم بعيدا عن روح الدين الذي استهدف تحرير الإنسان".


• الداعشية نقيض الوطنية


إذًا.. فلا مجال اليوم لتطبيق فكرة "الخلافة" إلا بطريقة "داعش" الدموية الوحشية: طريقة الحروب والمجازر والتطهير العرقي والسبي والاغتصاب والاسترقاق ومحو الحضارات وإثارة الفتن وتمزيق الأوطان وتفتيت الشعوب. فهل في هذا رحمة للمسلمين وللعالمين؟! أم أنه يخدم القوى الاستعمارية التي تستخدم حركات التكفير لمآربها التوسعية، وسرعان ما تنقلب عليها بعدما تقضي منها وطرًا، كما يحدث الآن مع أمريكا وتركيا اللتين ساندتا تنظيم "داعش" وتحاربانه الآن؟
وهنا تحديدًا – أخي توفيق وجميع الإخوان – يكمن محكّ الوطنية، والمسؤولية الوطنية، والانتماء الوطني: في رفض التكفير والتفتيت، والتصدّي للمخططات المعادية للشعوب. فلا يمكنك أن تكون وطنيًا وأنت تكفّر كل من يخالفك المعتقد والعقيدة، ولا يمكنك أن تكون وطنيًا وأنت تخدم مصالح أمريكا وإسرائيل ومشاريع السعودية وقطر والسلطنة العثمانية. ويتوجّب على الإخوان في "الشمالية" تحديدًا أن يعيدوا النظر في الكثير من مواقفهم وتصريحاتهم، وأن يجروا مراجعات فكرية جادة، كما فعلت وتفعل حركات إسلامية أخرى، مثل حركة "النهضة" التونسية التي تخطو نحو فصل الدعوي عن السياسي، أو حزب "العدالة والتنمية" التركي الذي يؤكد علمانية الدولة. وهذا هو المطلوب لكي نقف موحّدين حقًا في مواجهة التحدّيات المشتركة، ولتعزيز الوحدة الوطنية والحفاظ على النسيج الاجتماعي والوجه الحضاري لشعبنا ولجماهيرنا في هذا الوطن.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وحشية الإمبريالية الناعمة

featured

مرةً تباهَيْتُم بهذه الصورة

featured

مقال "مساهمة في طريق وحدة اليسار في فلسطين " ماذا نستفيد منه نحن؟ في واقعنا الموضوعي

featured

هويتنا الوطنية..!

featured

عين الحلوة، مرة أخرى!

featured

النتائج تقررها نقطة الانطلاق وأهدافها

featured

نحن لسنا من ضيعة صغيرة