مرةً تباهَيْتُم بهذه الصورة

single

//ترجمة: أمين خير الدين



في بيت العزاء، بالفتى الذي قُتل في مخيّم اللاجئين، يتذكّر سجين سابق جنديا يقف أمام طفل يحمل حجرا، والجندي لا يطلق النار، يحاول السجين  فَهْم ما حدث من تغيير.
الطريق إلى بيت العزاء زقاق مُظلم، يتّسع لشخص واحد، التقط ناجح مُقْبِل عن الأرض بعض عبوّات ذخيرة فارغة، وقال قبل أن ندخل البيت: "أترون. هذه مادة  تحريض أولادنا" . أُدين مقبل سنة 1990 بمقتل يعقوب شالوم، من عين كارم، بالسجن المؤبّد، أطْلق سراحه بعد 24 سنة ، الآن هو ناشط  مركزي في فتح، محاضر متطوِّع في مدارس الضفة. قال قبل أن ندخل بيت عمر مهدي، الفتى الذي قُتل الأسبوع الماضي برصاص الجنود في مخيّم العرّوب.
"ليس هناك أب يريد أن يموت ابنه، أحيانا يتخذ الأبناء قرارات أكبر من أعمارهم".
  يقع مخيم العرّوب عند مُفْترق الطرق بين بيت لحم والخليل، وهو من أشد مخيمات اللاجئين مقاومة، ويقع بيت عمر بالقرب من مدخل المخيم، المسدود بكتل إسْمنتية، بالقرب من البرج المُحصّن لجنود جيش الاحتلال الاسرائيلي (المحرّر) المشرف على الشارع الرئيسي.  يتردّد الوالدان الثاكلان، نعمة ويوسف مهدي، وأبناؤهم العشرة الباقون على البيت، الأب يعمل بكد في بلديّة بيت لحم، عمره 52 سنة، الحزن محفور على وجهه.
يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي، القى الفتيان حجارة  على الجنود الذين توغلوا إلى عمق المخيم، بالقرب من المقبرة، ردّ الجنود على الحجارة بالنار، رصاصة واحدة أصابت عمر فقتلته، قبل  عيد ميلاده الـ 16 بعشرة أيّام. تقول أمّه، آخر مرة رأته على سطح بيتهم، عندما طلب منها أن تغسل له حذاءه الرياضي،  فقالت له أن يغسله بمياه المطر المتجمِّع في الحوض على السطح. ذهب ليصلي في المسجد، وبعد ذلك "انتهت الحكاية" نصّا وحرفا.
سُمِع في المخيم صوت إطلاق رصاص، وقُتِل عمر، أوحى لها إحساسُها أنّ ابنها هو المقتول، وقد رأت جثّته في مستشفى الميزان في الخليل.
الشباب في المخيّم يلبسون قمصان تي سوداء، عليها صور لعمر. "قتلوه" يقول أحد إخوته، "إنّهم لا يرحمون شيخا أو طفلا"، تقول الأم "لماذا يتجوّل الجنود داخل المخيّم يوميا؟" ، يستغرب الأب ويقول " إنهم يأتون ليلقي الأولاد عليهم حجارة وعندها يجدون سببا ليقتلوهم"، الآن هذا هو بيت الغضب، وليس من  الصعب التنبؤ بما سيحصل، في اليوم الثاني  بعد القتل، وهم يحدّون على عمر، جاء الجنود  لاعتقال أحد  الفتية، بحجّة أنه يرمي الجنود بالحجارة، اعترض أبناء العائلة، فانصرف الجنود، "من حقِّنا أن نرمي الجنود بالحجارة، ولن نتنازل عن هذا الحق " يقول أحد الإخوة.
ردّ الناطق بلسان جيش الاحتلال الاسرائيلي (المحرّر) تلقائيّا: " الحادث لا زال رهن التحقيق، وفي نهاية التحقيق تُحوَّل نتائجه إلى النيابة العامة العسكريّة"
يقول  مقبل بلغة عبريّة طليقة "الفتيان عندنا لا يفرّقون بين يهودي، صهيوني، جندي، مدنيّ، بنظرهم كل إسرائيلي  هو يهودي، وكل يهودي هو جندي وكلّ جندي هو عدوٌّ"، يقول بعد رُبْع قرن من السجن تقريبا،: "وُلِدْتُ في 30  تشرين الأوّل  2013 ، أنا الآن ابن سنتين، طفل مع شارب"، لديه الآن ربطة عنق وسيارة جيب، سرد على مسامعنا رؤيته (للواقع) خلال ساعة، وكان من المفيد سماعها، "ظننا مرّة أن قتل الأطفال قد يحدث خطأ، أمّا الآن نعتقد بوجود سياسة في ج.د.ا. لقتل الأطفال، أنتم مخطئون إذا كنتم تعتقدون أن قتل الأطفال رسالة ستستفيدون منها. هؤلاء الأطفال جيل جديد من الكراهية، ليس تحريضا، ليس أبو مازن  المحرّض ولا حماس – المحرِّض الحقيقي هو سلوك الجندي الإسرائيلي، هذا الجيل لا يسمع  لقائد، ولا لأولياء أموره، الدرس الذي يتعلّمه الطفل هو مخيّم اللاجئين الذي يعيش فيه، هل شاهدتَ مدخل مخيّم العروب؟ يُفْتح ساعة ويُغْلّق ساعتين، ماذا يفعل الجنود داخل المخيّم؟ أنتم تدفعون الأطفال ليرموكم بالحجارة، وبعد ذلك يُقْتلون".
ربّما كنتَ جنديّا، ربّما قتلتَ، لماذا لا تراني كجنديّ؟ تماما كما تنظر لجنديٍّ من جنودكم، كأنه بطل يدافع عن وطنه، أنا في نظرك مُخرّب، قاتل، مجرم – إننا جنود شعبنا، سألوني عندما تزوّجتُ، ماذا سأقول لأم الشخص الذي قتلته، وأنا أحتفل وهو تحت الثرى؟ قلتُ لا فرق بين أمّ فلسطينيّة ثكلى وأمّ إسرائيليّة ثكلى، من حقهنّ أن يغضبن، لكل حرب ثمن، والبسطاء يدفعون الثمن.
دفعتُ من عمري 25 سنة، كيف تُثمّنها؟ ما يواسيني إحساسي بأني فعلت شيئا من أجل شعبي، كنت ابن 24 سنة، وهذا كان ردّ فعلي على ما فعله عامي بوبر* كنت أعرف أن ذلك لا يُحرّر وطني، لكنني اعتقدت أنه يجب أن أعمل شيئا، ربّما كان هذا خطأ، ربّما لم نستفد شيئا، لكنني رأيت أطفالا يُقْتلون، لأنهم يرفعون علما، اليوم تُباع هذه الأعلام في الدكاكين، ومستوردها إسرائيلي، صهيوني، وربما جندي مسرّح.
قوّتنا بضعفنا، وقوّتكم في مصنع ديمونا، نعرف أن الطريق طويل، والحرب مستمرة، لكن، لا الجدار ولا الدبابة أو الطائرة أو الصاروخ أو القبة الفولاذيّة يمكنها أن توقف إرادة شعب يريد الحياة بكرامة، أنا أُحاضِر مُتَطوِّعا في المدارس، أعلّم الطلاب حبَّ الوطن، وكيفيّة تطبيقه، وأعلّمهم أن المقاومة ليست فقط بالسلاح، يمكن أن تكون بالقلم، بالأغنية، بالموسيقى، بالمسرحية. السلاح هو الشيء الأخير، المورد الوحيد للفلسطينيين هو الإنسان، ليس لنا مورد آخر.
"نتنياهو يريد أن يضع ستارا من كرتون على عيون الإسرائيليين، لتروا الواقع من خلال ثقوب هذا الكرتون، يسقط في الحرب شهداء، لكن ما يحدث اليوم تنفيذ أحكام  بالقتل، هناك صورة  مشهورة، من أيام الانتفاضة  الثانية، صورة جندي إسرائيلي يقف أمام طفل يحمل حجرا، والجندي  لا يطلق النار، مرّة تَباهَيْتُم بهذه الصورة".



*عامي بوبر  من مواليد 1969  إسرائيلي، قتل بعملية إرهابية سبعة فلسطينيين وجرح 11 بتاريخ 1990/5/20 خلال الانتفاضة  الأولى – المترجم

قد يهمّكم أيضا..
featured

أنقرة ولاعب الشطرنج الإيراني!

featured

ستون عاما بمِائة وعشرين يومًا

featured

مَنْ يذبح مَنْ؟

featured

الانتماء الفكري هو الأساس لكل موقف

featured

المطلوب فتح صفحة في سجل الحياة

featured

التأتأة والتذبذب والتلكّؤ في المصالحة الفلسطينية خزي وعار

featured

ألعملة النادرة