بعد تدخل الدول الأجنبية وقصف السواحل السورية لرفض محمد علي شروط معاهدة لندن 1840 ،بدأ الجيش المصري بالجلاء عن طرابلس واللاذقية وأدنة واحتلت بريطانيا عكا،أما حيفا فقد اقتربت من شواطئها في 16 أيلول 1840 بارجتان بريطانيتان والبارجة التركية "ديوان" وطلب المهاجمون استسلامها ،لكن قصف المدافع الثمانية التي كانت على سواحلها كان الجواب،فقامت البوارج البريطانية والتركية بقصف ثقيل ومركز لساحل حيفا ففرّ الجنود وقام المهاجمون بالنزول الى الساحل وتدمير كل ما تبقى على الساحل من عتاد،واستولواعلى مدفعين 13 انش.في 18 أيلول أُنزلت قوة عثمانية أخرى وهذه طاردت فلول الحامية المصرية حتى "البرج". وعادت سوريا للحكم العثماني.أثناء القصف العنيف الذي تعرضت له عكا من البحر انفجر مخزن مركزي للأسلحة الذي احتوى على مئات براميل البارود،تلاه بعد يومين انفجار آخر وقد أدى ذلك الى دمار هائل في عكا ،وكانت مصيبة عكا سببا في ارتفاع شأن حيفا.
بعد عودة حيفا للحكم العثماني ارتفعت مكانتها الادارية وتحولت من مقاطعة يحكمها متسلم الى قضاء يحكمه مدير يساعده مجلس ادارة مكون من جميع الطوائف اضافة الى القاضي والمفتي.وكانت وظائف المجلس تقدير نسبة الضرائب وفرض الضرائب على غير المسلمين ،تحصين المدينة والدفاع عنها،تجنيد قوات للحراسة،اصدار تراخيص بناء لغير المسلمين والتدخل لحل الخلافات بين الطوائف.
في بداية سنوات الخمسين من القرن الثامن عشر،جعلت شركات السفن الكبرى في النمسا وفرنسا من حيفا محطة لسفنها البخارية التي تنقل المسافرين الى الشرق.هذه السفن زادت من عدد السياح والحجاج الذين أتوا لزيارة الأماكن المقدسة ،وهذا أدى الى نهضة كبيرة في حيفا،حتى ان دير الرهبان الكرمليين على اتساعه لم يعد قادرا على استيعاب القادمين واضطروا الى توسيع الدير وتحديد فترة الاقامة لثلاثة أيام.كذلك أدت حركة السفن الى المدينة الى ازدهار الاستيراد والتصدير ،فقد أصبحت حيفا ميناء التصدير الرئيسي للبضائع من شمال فلسطين ومنطقة نابلس كما يذكر السويسري يعقوب ميزلين الذي زار البلاد في منتصف القرن التاسع عشر والذي نقل عنه الكس كرمل ذلك في كتابه تاريخ حيفا في الفترة العثمانية.ومن أهم الصادرات من ميناء حيفا الغلال والقطن والسمسم.ويضيف كرمل نقلاً عن ميزلين أن 162 سفينة رست في ميناء حيفا في العام 1850 ،82 منها يونانية و24 فرنسية و17 تركية و16 انجليزية و11 من سردينيا وسفن لدول أخرى.
زاد الازدهار التجاري لحيفا من الممثلين القنصليين في المدينة ،فاضافة لممثلي انجلترا وفرنسا والنمسا وسردينيا الذين كانوا سابقا ،استقر فيها مندوبون قنصليون لروسيا وبروسيا(أكبر الدول الألمانية قبل توحيد ألمانيا) والولايات المتحدة واليونان وهولندا.
شهدت حيفا في هذه الفترة ازدهارا عمرانيا فرممت جميع بناياتها تقريبا وبنيت بنايات جديدة وارتفعت أسعار الأرض المخصصة للبناء بشكل كبير،ويُعزى ذلك الى تطور ميناء حيفا ورغبة الرهبان الكرمليين ببناء بنايات تحضيرا لهجرة عائلات كاثوليكية اليها.
تصف ماري روجرز أخت نائب القنصل البريطاني مباني حيفا عام 1855 فتقول انه كانت هناك بيوت مبنية من الطين والحجارة غيرالمهذبة وهي من طابق واحد وهذه كانت مساكن عامة الشعب،أما الأثرياء والتجار الأجانب والقناصل فكانت بيوتهم من طابقين ومبنية من حجارة منحوتة ومهيأة للبناء ،وهي بيوت واسعة في فناءاتها ساحات رحبة مرصوفة بالرخام الأسود والأبيض.
في 1858 حصلت روسيا على فرمان يسمح لها ببناء رصيف في ميناء حيفا،وقد وفرت عملية البناء العمل لعدد كبير من سكان المدينة،وهذا المشروع زاد من التأثير الروسي في المدينة، فأقام الروس قرب الكنيسة الأرثوذكسية نزلا للسياح الروس الذين توافدوا على حيفا بأعداد كبيرة،كذلك بدأت تصل الى حيفا السفن البخارية الروسية.في هذا العام أقيمت البيوت الأولى خارج الأسوار.
